مقالات

ابراهيم العريس

 
«عصفور النار» لسترافنسكي: الباليه الروسي يغزو العالم
 
لو سألت اليوم أيّ عدد تختاره من نقاد الموسيقى الحديثة ومؤرخيها عن العمل الموسيقي الذي يمكن اعتباره فاتحة للحداثة الموسيقية في القرن العشرين، لن تتردد الغالبية العظمى منهم من التأكيد أن هذا العمل لا يمكن أن يكون سوى «عصفور النار» لإيغور سترافنسكي، المبدع الروسي الذي كان يعيش في أوروبا، لا سيما في فرنسا في ذلك الحين. وكان سترافنسكي معروفاً أكثر من أيّ شيء آخر بمزجه الخلاق بين العناصر الموسيقية، الفولكلورية والكلاسيكية أيضاً،- التي حملها معه من بلاده الروسية التي كانت تعيش نهضة موسيقية مدهشة في زمن كانت فيه مختلف أنواع الإبداع تنهض تحت ظل القمع السياسي المستشري، ورغماً عنه-، وبين المعاصرة الأوروبية المستشرية خصوصاً في بلدان وسط أوروبا، لا سيما فيينا حيث تعمل مجموعة من مبدعين موسيقيين على تحديث التأليف والتوزيع الأوركستراليين بأشكال تبدو للوهلة الأولى، جنونية. ومن الواضح أن ذلك «الجنون» كان ملائماً تماماً للموسيقي الروسي الشاب وبخاصة في مجال الإفلات من كل قواعد جاهزة. ومن هنا، حين قُيّض له أن يكتب موسيقى «عصفور النار» حين التقى مواطنه دياغيليف كما سوف نروي بعد سطور، أحس أن الفرصة باتت مواتية، لكي يقدم ذلك المزيج الذي كان يحلم به منذ زمن طويل. وربما حتى، منذ وصوله إلى أوروبا قبل سنوات.
 
> في ذلك الوقت، كان فن البالية في طول أوروبا الغربية وعرضها، على رغم نجاحاته الكبرى، مجرد فن كلاسيكي لا يريد أن يخرج عن كلاسيكيته، موسيقى ورقصاً وإخراجاً. ومن هنا حين وصل «الباليه الروسي» إلى باريس أولاً، ومنها إلى بقية العواصم الأوروبية، كان حدثاً جديداً ومثيراً، اعتبر انعطافة أساسية ليس في فن الباليه وحده، بل أيضاً في العديد من الفنون الأخرى ومنها فن الرسم وكتابة الموسيقى والغناء، والرقص الانفرادي، إضافة إلى فنون المسرح والأوبرا بصورة عامة. وكان الاسم الذي برز من وراء تلك الثورة كلها اسم دياغيليف الذي اعتبر المسؤول الأول عنها، والفنان الذي نقل تراثاً بأسره من عالم (روسيا)، إلى عالم آخر (أوروبا).
 
> حدث ذلك في العام 1909، حين أطل دياغيليف على باريس، فكان له استقبال كبير على قياس الثورة التي استشعر أهل الفن أنه قد أتى بها. لقد كانت إطلالة دياغيليف الأولى في مسرح «الشاتليه»، غير أن الأمر احتاج إلى انتظار عام كامل حتى تكتمل الثورة باللقاء الذي تم بين دياغيليف وسترافنسكي، الذي كان قبله قد أوصل الموسيقى الروسية العابقة بالألوان، إلى أوروبا المتثائبة في ذلك الحين، وحقق تلك القفزة الموسيقية التي كانت في طريقها لأن تقود إلى ولادة الحداثة الموسيقية الأوروبية في القرن العشرين. ومن هنا إذا كان الكثر من مؤرخي الموسيقى يعزون إلى دياغيليف الفضل في ولادة الباليه الأوروبي الحديث، فإن معظم هؤلاء يربط تلك الولادة باللقاء الذي تم ذات يوم من شهر حزيران (يونيو) 1910 بين دياغيليف وسترافنسكي. فلماذا ذلك التاريخ؟
 
> بكل بساطة لأنه تاريخ العرض الأول لـ«عصفور النار» ذلك العمل الاستعراضي الذي لا تزال له حتى اليوم مكانته وأهميته الفائقة في تاريخ الرقص والموسيقى في القرن العشرين. وأهميته مزدوجة تنبع، من ناحية، من قيمته الفنية الخالصة، ولكن من ناحية ثانية من قيمته التاريخية. خصوصاً أن باريس كلها صفقت له منذ عرضه الأول باعتباره العمل الأساسي في ثاني موسم للباليه الروسي عرفته العاصمة الفرنسية. وسترافنسكي، الذي كان قد وطد مكانته الباريسية قبل ذلك، كان حين أقدم على العمل مع دياغيليف للمرة الأولى، يعرف أنه يخوض ها هنا تجربة في منتهى الدقة والحذر. فدياغيليف، حين قدم للباريسيين أعماله الروسية الراقصة، حمل معه في الموسم الأول روائع النيوكلاسيكية الروسية، حيث أرقص نجومه على وقع موسيقى تشيريبين (في «أجناس آرميدس») وبورودين (في «الأمير إيغور») ورمسكي كورساكوف وغلينكا وتشايكوفسكي وغيرهم (في برنامج متتابعات راقصة لم تنسه باريس بعد ذلك أبداً). إذن كان على سترافنسكي أن ينافس كل أولئك ويكون نداً لهم وأن يعرف كيف يرقص نجوماً ساطعة من أمثال نيجينسكي وبولغاكوف وفيدوروفا وسميرنوفا وغيرهم. كان التحدي أمامه كبيراً، إذاً.
 
> ولكن ما أن أقفل الستار على العرض الأول لـ «عصفور النار» حتى شعر المتفرجون والنقاد على السواء بأن أرضاً جديدة قد فتحت في وجه فن الرقص وفن الموسيقى. و «أن الروس ليسوا جزءاً من الماضي تقدم خلاصته الآن وحسب، بل هم مبدعون يعيشون ويبدعون خارج بلدهم كما يفعلون داخله»، على حد تعبير الناقد الموسيقي لصحيفة «الفيغارو» الذي على رغم انتقاده لبعض لحظات سترافنسكي الموسيقية، حرص على الإشارة إلى أن هذا الأخير لا يقل أهمية عن مواطنيه الكبار وإلى أن التاريخ سوف يفرد له مكانة كبيرة بينهم.
 
> «عصفور النار» الاستعراض الاستثنائي الذي نال كل ذلك النجاح يومها، كان بداية تعاون بين سترافنسكي ودياغيليف سيتواصل لفترة طويلة بعد ذلك. وهذا العمل الذي كان على أيّ حال أول باليه كبير كتبه سترافنسكي خلال مساره المهني، مستوحى في الأصل من حكاية سلافية، تتحدث عن فصل من حياة شاب هو الأمير إيفان، يحدث له ذات يوم أن يضيع في غابة غامضة. وفي الغابة نراه يطارد عصفوراً نورانياً غريباً، لكن تلك المطاردة سرعان ما توصله إلى أملاك قاشتشاي ذلك المخلوق الخالد والغامض الذي يعيش وكأنه نصف إله وتخشاه المخلوقات كافة الموجودة في المكان وفي الجوار. وهذا المخلوق كان في الأصل يريد السيطرة على إيفان كي يحوله حجراً كما كان قد سبق له أن فعل مع عدد من الفرسان الأشاوس الذين كان قد اعتاد اجتذابهم إلى مملكته محولاً إياهم تماثيل حجرية. لكن الذي يحدث هذه المرة هو أن بنات قاشتشاي إضافة إلى الأميرات الثلاث عشرة اللواتي يعشن في كنفه، لا يوافقن على أن يكون ذلك المصير من نصيب إيفان أيضا، فيعترضن، ويبدأن ببذل الجهود لتخليص الأمير الشاب. وهنا يظهر عصفور النار من جديد باعتباره الوحيد القادر على توقيف اللعنة المنصبة على الأمير الشاب. وهكذا بالتواطؤ مع الأميرات يقوم العصفور بفضل رقصته السحرية والفاتنة التي يقوم بها، من فرض تعويذته الخاصة ما يجعل القصر نفسه يختفي بحيث أن هذا كله سرعان ما يؤدي إلى إطلاق سراح الفتيات والأميرات مع تحرير إيفان وكل هذا بفضل تلك الرقصة السحرية يرقصها الطير ومقابل ريشة من ذهب، في الوقت الذي تحصل فيه كل واحدة من الفتيات على تفاحة ذهبية من «مزروعات» حديقة قاشتقاي. والحقيقة أن هذه الحبكة لن تكون هي النهائية حيث أن فوكين كاتب النص، اشتغل بعد ذلك على نص آخر تختلف فيه الحبكة بعض الشيء، وذلك بغية إتاحة فرصة للقاء يتم بين الأمير إيفان والفتاة الأجمل بين الأميرات، تلك التي ستلتقي إيفان صدفة قرب شجرة التفاح الذهبي، وانطلاقاً من هنا تنطلق بالتوازي حكايتان متلازمتان: حكاية تحرير المكان كله من ربقة قاشتقاي ولعنته، وحكاية الحب الذي يقوم بين الأمير الأسير والحسناء، الأسيرة بدورها إنما بطريقة أخرى. وهذه الصياغة الأخيرة هي التي اعتُمدت في التقديم الافتتاحي ولا تزال تعتمد إلى اليوم، حتى وإن كان سترافنسكي لم يبد راضياً عنها كثيراً إذ أجبرت موسيقاه في بعض اللحظات على أن تكون رومانسية وهو ما لم يكن يحبّذه في ذلك الحين.
 
> كما أشرنا، كتب نص الاستعراض وصمم رقصاته يومها ميخائيل فوكين الذي سيكون له بعد ذلك شأن كبير في عوالم دياغيليف. أما الملابس والديكورات فكانت من تصميم غولوفين، باستثناء ملابس العصفور نفسه فقد عهد بها إلى الرسام المعروف في باريس ذلك الحين ليون باكست. وأما الأدوار الرئيسية فقام بها كل من تامارا كارسافينا، وميخائيل فوكين نفسه، إضافة إلى الإيطالي أنريكو تشيكيتي.
 
> ونعرف أن مقطوعات «عصفور النار» تحولت منذ ذلك الحين إلى أفلام عدة، وقدمت بأشكال متنوعة، ورقصت من قبل معظم الراقصين، لكنها، ظلت على الدوام مرتبطة بنجاحها الأول، النجاح الذي عرفته في ذلك اليوم الصيفي من 1910 حين وصل سترافنسكي إلى قمة مجده، وعاد للارتباط بجذوره الروسية، من طريق فنان روسي هو دياغيليف عرف يومها كيف يضع باريس كلها تحت سلطة فن جديد هو فن الباليه الروسي.