مقالات

البيئة الاستثمارية.. هل لا تزال تعيق سياسات التنويع؟ (4 ــ 4)

 
سعود بن علي الحارثي
 
إن القطاع الخاص يحتاج أولا: إلى شراكة حقيقية مع الحكومة ومع مختلف الأطراف الفاعلة في الوطن للاستثمار في القطاعات الواعدة، شراكة تساهم فيها صناديق: السيادي والتقاعد والبنوك ووزارة المالية والأغنياء الذين يضعون أموالهم في الحسابات البنكية أو استثمارات ومشاريع خارج السلطنة، للانتقال إلى الاستثمار في القطاعات المتنوعة التي تتميز بها السلطنة..
السياسات الاستثمارية: دائما ما تقع الأنظار وتوجه الآمال وتضمن الخطط والبرامج محاور ورسائل إلى القطاع الخاص بمؤسساته ومشاريعه وخدماته المتعددة، وتحميله المسؤولية في: ـ توفير فرص عمل للباحثين ـ فرض المزيد من الضرائب على الشركات والمؤسسات لتعزيز الموارد المالية في ظل تراجع أسعار النفط ـ الإسهام في إنجاح السياسات الخاصة بتنويع مصادر الدخل ـ تعزيز مكانته الاستثمارية في مختلف القطاعات والتحرر من اعتماده على المشاريع الحكومية ودعمها الذي تواصل على مدى العقود الأربعة الماضية … ولكن لا بد في المقابل من أن نسأل أنفسنا بضعة أسئلة مهمة تضعنا أمام حقيقة هذا القطاع ومدى قدرته على النهوض بمسؤولياته والبيئة الحاضنة التي يدير فيها أنشطته؟ ومن الممثل الحقيقي للقطاع الخاص في عُمان، ومن المتحدث باسمه؟ في ظل جملة من المعطيات منها أولا: إن معظم مؤسساته وقطاعاته ـ إلا ما رحم ربي ـ تدار من قبل جاليات أجنبية على مختلف المستويات الوظيفية الإشرافية والإدارية والفنية والعمالية، بل وندرك أن الكثير من الأسماء اللامعة والبراقة للشركات والمؤسسات إنما تتستر خلف شخصيات عمانية، فيما الأفكار والسياسات والقرارات ونسب الأرباح تدار وتقر وتنفذ من قبل الأجنبي؟ ثانيا: اعتماده أي القطاع الخاص على المشاريع الحكومية وارتباط نشاطه وأرباحه واستثماراته بالازدهار النفطي الذي تواصل على مدى أكثر من أربعة عقود؟ ثالثا: كوننا لم ننشئ قطاعا خاصا يتسم بالنمو والقوة قادرا على الاعتماد على نفسه والتأقلم مع الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد، مع إهمال واضح في الاستثمار والالتفات إلى القطاعات الأخرى الهامة السياحة، الأسماك، الزراعة، المعادن، السينما والرياضة، الموارد البشرية…؟ رابعا: غياب الآليات والقوانين التي من شأنها ضمان حماية التاجر العماني الصغير ودعمه وتحفيزه في مقابل انفتاحنا على المراكز والمجمعات التجارية والأسواق الاستهلاكية الكبيرة الأجنبية التي غزت محافظات وولايات السلطنة، وأدت إلى أضرار بالغة لحقت بالمكاسب التي حققها التجار العمانيون الذين مارسوا التجارة في محلات متواضعة على مدى سنوات وشكلوا نواة من الرواد الذين لو وجدوا الحاضنة المشجعة لكانوا اليوم هم من يدير التجارة العمانية التي يسيطر عليها الأجانب ولتمكنوا من احتضان الكثير من الباحثين عن عمل. خامسا: في ظل التعقيدات الإجرائية وعدم وضوح السياسات الاستثمارية وآليات استقدام العمالة الأجنبية وضعف السوق وسياسات التعمين المفروضة على شكل نسب … فقد فضل العديد من العمانيين استثمار أموالهم في الخارج، ما أدى إلى حرمان الوطن من هذه الأموال. سادسا: فرض المزيد من الضرائب لتعزيز الموارد المالية الحكومية في ظل تراجعات أسعار النفط، مع اليقين التام بآثارها الخطيرة ليس على المستهلك فقط الذي بإمكانه تدبر شؤونه بالمزيد من الضبطية والترشيد والاستغناء عن بعض الكماليات والتواضع قليلا ـ بمعنى أدق فبدلا من أن يشتري سيارة بخمسة عشر ألفا يتنازل قليلا إلى عشرة أو اثني عشر ألفا مع توافر الخيارات وهكذا بالنسبة للسلع الأخرى ـ وإنما ستطول تأثيراتها الكبيرة شركات ومؤسسات القطاع الخاص المعتمدة أعمالها وأرباحها على المشاريع الحكومية التي أخذت بمنهج التقشف من جانب وفرض الضرائب من جانب آخر، والتي ستؤدي كذلك إلى تراجع القوة الشرائية للمستهلك، وهو ما يتناقض تماما مع السياسات الخاصة بتحقيق التنويع وتحفيز السوق وتنشيط القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وتوطينها، وسوف يؤدي ليس إلى خلق المزيد من فرص العمل، بل إلى التسريح والإعلان عن إفلاس الشركات والمؤسسات المتوسطة والصغيرة خاصة. فهل يستطيع القطاع الخاص في ظل هذه التحديات والمعطيات والظروف أن يغير من نمط أسلوب عمله خلال أشهر أو سنة أو سنتين؟ خاصة في ظل أن الكثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة تلفظ أنفاسها؟ هل يمكن للأفكار التنظيرية والآراء العامة وسياسات التقشف وفرض المزيد من الضرائب والمعيقات التي تطرقنا إليها في هذا المقال والمقالات الثلاثة السابقة أن تنقذ القطاع الخاص من الأزمة النفطية، فيتجاوب مع المطالب الحكومية ويتولى مسؤولياته الوطنية في المساهمة في القضايا التي أشرنا إليها؟ إن القطاع الخاص يحتاج أولا: إلى شراكة حقيقية مع الحكومة ومع مختلف الأطراف الفاعلة في الوطن للاستثمار في القطاعات الواعدة، شراكة تساهم فيها صناديق: السيادي والتقاعد والبنوك ووزارة المالية والأغنياء الذين يضعون أموالهم في الحسابات البنكية أو استثمارات ومشاريع خارج السلطنة، للانتقال إلى الاستثمار في القطاعات المتنوعة التي تتميز بها السلطنة، وهي: السياحة، فبرغم المقومات السياحية التي تنعم بها البلاد إلا أن الاستثمار في هذا المجال لا يزال بطيئا، وعلى سبيل المثال فإن الجبل الأخضر الذي يبعد عن مسقط في حدود 100 كلم، نجد أن درجة حرارته تتراوح بين الـ25 و30 درجة في أشهر الصيف الحارة، ولو وجد هذا الموقع طرقا سهلة وأقيمت مدينة ألعاب ومجمع تجاري وشاليهات وخدمات لشهد زحفا كبيرا من العمانيين والسياح الخليجيين وغيرهم خاصة في فصل الصيف، وهذا مثال بسيط لعشرات المواقع والمعالم التي تزخر بها السلطنة. تشجيع وجذب الاستثمار الأجنبي، وتيسير الإجراءات ومعالجة المركزية والبيروقراطية وغيرها من المعيقات التي تنفر المستثمر الأجنبي من الاستثمار في عُمان. الصناعة، الأسماك والزراعة، من خلال عمليات الاستزراع، وتصنيع التمور وتسويقها ورفع جودتها ومراجعة وضع الشركات التي تقوم بالاستثمار في هذين المجالين، وتقييم أوضاعها، وتصحيح مساراتها أو إلغاء التعاقد معها والبحث عن شركات أخرى قادرة على الاستثمار في هذا القطاع الهام والحيوي. الرياضة والثقافة، لكي تصبح قطاعا اقتصاديا مهما يدعم موارد البلاد وعائداتها، فصناعة السينما على سبيل المثال تعد اليوم واحدة من أهم سياقات القطاع الثقافي، والتي تنمو بشكل متواصل على المستوى العالمي، وهكذا الحال للقطاع الرياضي، فيما لا تزال القوانين والأنظمة والبيئة وثقافة العمل والإجراءات الأخرى تقف عقبة أمام نمو وتطور واتساع قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات الأخرى الصناعية والتجارية وغيرها في بلادنا، وهذا الأمر يحتاج إلى وقفة وتقييم ومراجعة وإصلاح ورغبة حقيقية في تطوير وتنمية هذه القطاعات والعمل على الاستثمار فيها، خاصة وأن مشاريع المطارات والموانئ والطرق التي تنفذ تتطلب لرفع عوائدها استثمارات وأموال أجنبية ضخمة. المعادن والمحاجر، فما زال الاستثمار في هذا القطاع ترافقه العديد من الإشكالات المرتبطة بالأنظمة والقوانين وآليات التعامل، كما أنه يتم من خلال تقديم مناطق بعينها لصالح أفراد أو شركات وعليه يجب تصحيح هذا الوضع والعمل على دراسة هذا القطاع وتوظيفه بما يخدم الاقتصاد الوطني، ويقدم عائدا مجزيا للخزينة العامة للدولة. الموارد البشرية عبر تجويد التعليم وتطوير المناهج والتخصصات العلمية والمهنية لتتناسب مع احتياجات السوق وتحسين قدرة المخرجات وتمكينها من المنافسة والإبداع، وتحمل المسؤولية وربط ذلك بثقافة العمل وبيئته، وتوفير المناخ المناسب للمنافسة الشريفة، وتصحيح ومراجعة وتقييم كل المعوقات التي تقف أمام نجاح العماني على المنافسة في الداخل والخارج. ففي هذه المرحلة الهامة والحساسة نحتاج إلى قرارات جريئة، وانتقال سريع إلى مراحل العمل والتنفيذ والإنتاج، وأموال يمكن أن تتوافر من مصادر متعددة، الصندوق السيادي، صناديق التقاعد، الاستثمار الأجنبي، الحكومة، رجال الأعمال والأغنياء والشركات الكبيرة، التمويل البنكي…