مقالات

انفصال كردستان العراق ليس حتميًا وإلغاء الاستفتاء ما زال خيارًا واردًا.. بشرط

أحمد الدباغ

بات مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق، يشغل حيزًا في وسائل الإعلام العراقية والعربية والدولية هذه الأيام، ومرد ذلك إلى استفتاء الاستقلال الذي يوشك الأكراد على إجرائه في 25 سبتمبر (أيلول) الجاري.
وما بين شد وجذب وزيارات مكوكية لمسؤولين دوليين وإقليميين لثني البارزاني عن الاستفتاء، يصر الرجل على إجرائه ما لم تقدم له أفكار أو بدائل، فما هي مطالب الأكراد التي يمكن لها أن تثنيهم عن قرارهم هذا؟ «ساسة بوست» يحاول الوقوف على أهم هذه المطالب.
البحث عن بدائل
ضغوط كبيرة يتعرض لها مسعود البرزاني لثنيه عن إجراء الاستفتاء بين تهديد دول الجوار الإقليمي (تركيا وإيران) بإجراءات رادعة ضد الإقليم، وبين زيارات متواصلة لمسؤولين غربيين وتصريحات رافضة من الأمم المتحدة، ويوم الثلاثاء الماضي 19 سبتمبر (أيلول)، قبل خمسة أيام فقط من الموعد المقرر للاستفتاء، قال البارزاني «إن الاستفتاء المثير للجدل بشأن انفصال الإقليم ما زال من الممكن إلغاؤه أو تأجيله» وأمهل الحكومة المركزية في بغداد ثلاثة أيام كي تطرح أفكارًا وبدائل تحفز الإقليم على تأجيل الاستفتاء المزمع إجراؤه يوم الاثنين المقبل.
أكراد يرتدون الزي الكردي التقليدي في شوارع أربيل ويحتفلون بقرب الاستفتاء.
قالَ أرشدُ الصالحي، رئيس الجبهة التركمانية في البرلمان العراقي، إن الأكراد يمكن أن يؤجلوا أو يلغوا الاستفتاء مقابل مطالب محددة من بينها دفع بغداد المستحقات المالية التي يطالب بها الإقليم والتي تقع ضمن الموازنة الاتحادية العراقية، وأضاف أيضًا أن أحد أبرز المطالب هي ضمان إلحاق مدينة كركوك والمناطق المختلطة الأخرى بالإقليم رسميًا وباعتراف بغداد وفق المادة 140 من الدستور العراقي المثيرة للجدل.
يقول الكاتب والباحث السياسي حسين عمران إن المسؤولين في إقليم كردستان يتقدمهم مسعود يطالبون منذ مدة طويلة بتطبيق المادة الدستورية رقم 140 التي تنص على تطبيع الأوضاع في محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها في المحافظات الأخرى مثل نينوى وديالى إضافة إلى تشريع قانون النفط والغاز، لكن من دون حلول جذرية لهذه المطالب.
ويضيف عمران: «أكثر المواد المختلف عليها بين بغداد وأربيل هي انتخابات كركوك والمناطق المتنازع عليها والتي تسيطر عليها حاليًا قوات البيشمركة بعد أحداث يونيو (حزيران) 2014 ودخول تنظيم داعش إلى بعض الأراضي العراقية».
وكانت بعثة الأمم المتحدة إلى العراق ومبعوثها «يان كوبيس» قد قدم وثيقة أممية كاقتراح إلى قيادة الإقليم يفضي إلى تأجيل الإقليم للاستفتاء المزمع إجراؤه، ويرحب بأي حوار بين الجانبين، وكان الاقتراح الذي رفضه الأكراد بحجة أنه لا يلبي الحد الأدنى من مطالبهم يقضي بالعدول عن استفتاء الاستقلال المقرر في 25 سبتمبر (أيلول) الجاري مقابل المساعدة على التوصل إلى اتفاق بين بغداد وأربيل في مدة أقصاها ثلاث سنوات.
وبحسب الوثيقة يقضي الاقتراح بشروع الحكومة المركزية وحكومة الإقليم في مفاوضات شاملة ومكثفة دون شروط مسبقة بجدول أعمال مفتوح في سبيل حل كل المشاكل العالقة، كما تتناول الوثيقة المبادئ والترتيبات التي ستحدد العلاقة المستقبلية والتعاون بين بغداد وأربيل.
خريطة توضح المناطق التي يطالب الأكراد بها في دولتهم.
ويتعين على الجانبين وفق المقترح المرفوض كرديًا اختتام مفاوضاتهما خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، ويمكنهما الطلب من الأمم المتحدة نيابة عن المجتمع الدولي تقديم مساعيها الحميدة في عملية التفاوض وفي وضع النتائج والخلاصات حيز التنفيذ، وتحدد الوثيقة أن «يبقى مجلس الأمن متابعًا لتنفيذ هذا الاتفاق من خلال تقارير منتظمة يقدمها الأمين العام للأمم المتحدة».
يقول الصحفي من مدينة كركوك طارق الحيالي لـ«ساسة بوست» إن الأوضاع بين الإقليم والمركز لا تبشر بخير، فكل طرف مصر على رأيه، ويضيف الحيالي أن مدينة كركوك هي المعضلة الرئيسية بين بغداد وأربيل حيث تصر الأخيرة على ضم مدينة كركوك إلى الإقليم طمعًا في نفطها بالدرجة الأولى، بينما تؤكد بغداد أن كركوك مدينة لكل العراقيين.
ويشير الحيالي إلى أن بغداد لا تعترف بإحصائية الإقليم حول عدد الأكراد الحقيقي في مدينة كركوك وإن كانوا من المدينة أصلًا أم لا، ويختم الحيالي قوله بأن الأكراد حتى لو حصلوا على ما يريدون من مطالب، فإنهم سيطالبون بالمزيد في السنوات القادمة بسبب ضعف الحكومة المركزية وعدم جديتها في التعامل مع ملفات كهذه.
مطالب غامضة
تصريحات متباينة وغامضة يدلي بها سياسيو الإقليم وبغداد على حد سواء، حيث كشف عضو المجلس الأعلى لاستفتاء استقلال إقليم كردستان روميو هكاري الأربعاء الماضي، عن الضمانات التي طالب بها رئيس الإقليم مسعود بارزاني مقابل تأجيل أو إلغاء الاستفتاء، موضحًا أنه أكد على ضرورة أن تراعي الضمانات أهداف الاستفتاء وطموحات الشعب الكردي.
وأضاف هكاري «أن إقليم كردستان موافق على تأجيل الاستفتاء إذا ما توفرت ضمانات دولية برعاية عالمية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الكبرى التي تعدّ مصادر القرار الدولي»، مؤكدًا أن الإقليم يطالب بهذه الضمانات حتى تلتزم بغداد بها، وأضاف أيضًا أن بغداد لا خيار أمامها سوى الموافقة على الضمانات التي يطالب بها الإقليم وبخلاف ذلك لن يحصل أي توافق حول تأجيل الاستفتاء، مؤكدًا أن المشاكل المتراكمة منذ عقد من الزمن دفعت كردستان إلى المطالبة بهذه الضمانات. ولم يتطرق هكاري في معرض حديثه عن مطالب محددة، حسبما قال
حملة انتخابية في كرنفال داعم لاستفتاء الإقليم في حديقة شيندار في مدينة أربيل 21 سبتمبر.
قال الصحفي الكردي ديار بكر عبد الكريم لـ«ساسة بوست» إن مطالب إقليم كردستان تتمحور بالدرجة الأولى حول عقد تفاهمات مع بغداد بشأن مصير الإقليم، وأضاف أن إقليم كردستان يطالب الجهات الدولية بضمان حق الإقليم بإجراء استفتاء الاستقلال بعد مدة معينة تُحدد باتفاق مع بغداد لا تتجاوز عامين أو ثلاثة أعوام كحد أقصى.
وفيما يخص مطالب الإقليم التقليدية بشأن المستحقات المالية وغيرها أضاف عبد الكريم أن هذه تعد ضمنية، لكن الإطار العام للضمانات هو حق الإقليم القطعي في الاستفتاء. وعن احتمالية تأجيل الاستفتاء من عدمه أكد عبد الكريم أن كل الاحتمالات مطروحة، وأن البت بإجراء الاستفتاء من عدمه في هذه اللحظة صعب للغاية وغامض إلى حد كبير، مضيفًا أن الأيام القليلة المقبلة قد تشهد مفاجآت لحلحلة الوضع.
شروط البارزاني
وكان موقع «الخليج الجديد» قد نشر تقريرًا حول شرط البارزاني الوحيد لتأجيل الاستفتاء يتمحور حول بدء مباحثات جدية بين بغداد وأربيل لاستقلال كردستان خلال مدة زمنية محددة وبضمانات دولية، وأشار البارزاني في بيان صحفي صادر عن رئاسة الإقليم مساء الاثنين الماضي «أن إقليم كردستان جرّب كل الصيغ للوصول إلى التفاهم مع بغداد وحصول توافق وشراكة حقيقية، فجرّب اللامركزية والحكم الذاتي والفيدرالية وفشلت كل تلك الصيغ، لذا يرى شعب كردستان أن الاستقلال هو الطريق الوحيد أمامنا لإنشاء دولة تربطها علاقات وثيقة مع بغداد».
وفي آخر التصريحات الكردية، قال المجلس الأعلى لاستفتاء استقلال إقليم كردستان إن جميع البدائل المقدمة من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن استفتاء استقلال الإقليم لا يمكن أن نقبل بها ولا تضمن استقلال الإقليم، وطالب المجلس ببدائل حقيقية تضمن استقلال الإقليم مستقبلًا، وأشار المجلس في بيان أصدره بعد اجتماع بحضور رئيس الإقليم مسعود البارزاني، أنه إذا لم يصل القيادة الكردية بدائلُ مقبولة، فإن الاستفتاء سيعقد في موعده المحدد الاثنين المقبل، وأكد على أن المجلس أبقى أبواب الحوار والمفاوضات مفتوحة مع بغداد وأعطاها الوقت اللازم والمطلوب.
تجمع وزراء خارجية العراق وإيران وتركيا (من اليسار).. المصدر: موقع الحرة.
وتظل كل الاحتمالات مطروحة فيما إذا أجري الاستفتاء بعد أن اتفق وزراء خارجية العراق وتركيا وإيران الخميس على عدم دستورية استفتاء الإقليم، محذرين من اتخاذ إجراءات مضادة تجاه الإقليم، وقال وزراء الخارجية الثلاثة إن الاستفتاء يعرّض الانتصارات التي حققها العراق ضد تنظيم الدولة الإسلامية لمخاطر بالغة.
وما بين شد وجذب بين مختلف الأطياف العراقية، ينتظر الشارع العراقي ما ستؤول إليه قابل الأيام في بلد لا يكاد يخرج من مشكلة أمنية حتى يواجه مشكلة سياسية لا تقل تبعاتها عن الأزمات السابقة.

admin