بعض الثورات تدخل التاريخ ثم يختلف الناس عليها، وبعضها يترك وراءه من الخصومات ما يسمح لكل طرف بأن يجد فيها عيباً يطعن من خلاله في مشروعها أو أهدافها.
أما تشرين، فقصتها مختلفة.
تشرين لم تعد مجرد تظاهرات خرجت في ساحات بغداد والناصرية والنجف وكربلاء والبصرة وغيرها. بل تحولت مع مرور الوقت إلى أيقونة للنضال الوطني العراقي، وإلى واحدة من أكثر اللحظات وضوحاً في تاريخ العراق الحديث.
لماذا؟
لأنها خرجت من رحم الناس، لا من غرف الأحزاب.
لم تحمل مشروعاً طائفياً، ولم ترفع راية قومية، ولم تكن امتداداً لتنظيم أيديولوجي. لم يقل المتظاهرون إن هذا العراق للشيعة أو للسنة أو للكرد أو لغيرهم . قالوا شيئاً أبسط وأخطر في الوقت نفسه
هذا العراق لنا جميعاً.
كانت رايتها العلم العراقي، وهتافها الوطن، ومطلبها الدولة.
وهنا تحديداً تكمن قوة تشرين.
فالسلطة تستطيع أن تواجه حزباً بحزب، وترد على تنظيم بتنظيم، وتتهم حركة بأنها امتداد لهذا الطرف الخارجي أو ذاك. لكنها تجد نفسها في مأزق حقيقي أمام حركة شعبية واسعة لا تستطيع أن تضع عليها عنواناً طائفياً أو حزبياً أو قومياً.
ولهذا حاول البعض، وما زال، البحث عن تهمة تفسر تشرين على غير حقيقتها.
مرة مؤامرة، ومرة فتنة، ومرة مشروعاً خارجياً، ومرة فوضى.
لكن السؤال البسيط يبقى قائماً: أين كانت راية الخارج في تشرين؟
أين كان المشروع الطائفي؟
أين كان الشعار الحزبي؟
وأين كان العلم غير العلم العراقي؟
تشرين كانت، في جوهرها، انتفاضة مواطن فقد ثقته بمنظومة سياسية لم تستطع أن تقدم له دولة تليق به. شاب عراقي خرج لأنه يريد عملاً، وخدمات، وقضاءً مستقلاً، وسيادة حقيقية، ومؤسسات لا تتحول إلى حصص حزبية.
ولهذا أصبحت تشرين محرجة أكثر من كونها خطراً سياسياً.
فالخطر على أي منظومة لا يأتي دائماً من خصم مسلح. بل حينما يأتي من شعب اكتشف أنه يستطيع أن يقول “لا” .
وهذا بالضبط ما حدث.
لقد كسرت تشرين حاجز الخوف، ووضعت سؤال الدولة في قلب النقاش العراقي. ومنذ ذلك اليوم لم يعد ممكناً بسهولة إعادة العراقي إلى المربع القديم نفسه وكأن شيئاً لم يحدث.
قد يختلف العراقيون في تقييم بعض تفاصيل تشرين، وقد تقع الأخطاء في أي حركة شعبية كبيرة، وهذا أمر طبيعي. لكن محاولة إسقاط قيمتها الوطنية بالكامل لأن بعض الأخطاء وقعت هنا أو هناك لا تصمد أمام الحقيقة الأكبر.
تشرين لم تكن مشروعاً لإلغاء العراق.
كانت محاولة لاستعادته.
ولهذا فإن أكثر ما يزعج خصومها ليس ما فعلته في ساحاتها فقط، وإنما ما تركته في الوعي العراقي.
تركت فكرة لا يمكن قتلها بالرصاص ولا دفنها بالخطابات:
أن العراق يمكن أن يكون وطناً قبل أن يكون ساحة نفوذ، ودولة قبل أن يكون حصة، وأن العراقي يستطيع أن يطالب بحقه من دون أن يستأذن حزباً أو دولة خارج الحدود.
ولهذا ستبقى تشرين.
ليس لأنها لم تخطئ، فالكمال ليس من صفات الثورات.
بل لأنها كانت واحدة من أنقى اللحظات التي خرج فيها العراقي من هوياته الفرعية وقال، بكل وضوح:
أنا عراقي… وهذا وطني.
ومن يريد أن يحاكم تشرين، فليحاكمها أمام تلك الحقيقة.
أما تحويل الضحية إلى متهم، والقمع إلى بطولة، والمطالبة بالدولة إلى “فتنة” ، فلن يغير شيئاً من التاريخ.
تشرين لم تكن فتنة. كانت اللحظة التي استعاد فيها العراق صوته….وما زال ذلك الصوت يزعج من لم يتعلم حتى اليوم أن الدولة ليست ملكاً لأحد.
ولذلك نقول لمن يتحدث اليوم عن مواجهة تشرين وكأنها كانت معركة لحماية الدولة:
أنتم لا تخافون من تشرين كحدثٍ مضى…. أنتم تخافون من أن تعود تشرين، ويعود معها سؤال الدم، وسؤال المسؤولية، وسؤال المحاسبة.
فما يُخيفكم ليس الماضي فحسب. بل ان الذي
يُخيفكم أن يفتح المستقبل ملفه.

