نادين عبدالله
يستيقظ كثيرون كل صباح وهم يشعرون أنهم لم يناموا بما يكفى. يبدأ اليوم على صوت المنبه، ثم تتوالى التفاصيل الصغيرة: طريق مزدحم، ورسائل لا تنتهى، ومهام مؤجلة من الأمس، وأسعار تتغير أسرع من قدرة الناس على ترتيب حساباتهم. يصل المرء إلى المساء منهكاً، لكنه لا يشعر بأنه أنجز ما يكفى. وفى اليوم التالى، تبدأ الدائرة من جديد.
عادة ما نتعامل مع هذا التعب بوصفه مشكلة فردية. نقول لمن يشكو إنه يحتاج إلى تنظيم وقته، أو ممارسة الرياضة، أو النوم مبكراً، أو الابتعاد قليلاً عن هاتفه. وهى نصائح مفيدة بالتأكيد، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: ماذا لو لم يكن كل هذا الإرهاق ناتجاً عن سوء إدارة الأفراد لحياتهم، بل عن الطريقة التى أصبحت الحياة نفسها تُدار بها؟
فالتعب الذى يشعر به كثيرون اليوم لا يأتى من كثرة العمل وحدها، وإنما من انعدام اليقين أيضاً. أن تظل منشغلاً بما قد يحدث غداً، وأن تحاول باستمرار الحفاظ على مستوى معيشة يتراجع، وأن تؤدى أكثر من دور فى الوقت نفسه، وأن تعرف أن أى ظرف طارئ قد يربك حساباتك بالكامل؛ كل ذلك يستهلك من الإنسان طاقة لا تظهر فى عدد ساعات العمل، ولا يراها الآخرون بالضرورة.
ومع ذلك، يُطلب منا أن نبدو دائماً متماسكين؛ حتى الراحة أصبحت مهمة أخرى ينبغى إنجازها بكفاءة: علينا أن نتأمل، ونمارس الرياضة، ونعتنى بأنفسنا، ثم نعود سريعاً إلى العمل بطاقة أكبر؛ وكأن الغرض من الراحة ليس أن نستمتع، بل أن نصبح أكثر قدرة على احتمال ما يُتعبنا.
الأخطر أن يتحول الإرهاق إلى أمر طبيعى، وأن يشعر الإنسان بالذنب حين يعجز عن مواصلة الركض. فبدلاً من أن نسأل عن ظروف العمل، وطول الطرق، وضغوط المعيشة، وهشاشة الأمان، نسأل المتعب: لماذا لم تكن أكثر قوة؟ وبدلاً من مراجعة الشروط التى تستنزف الجميع، نطالب كل شخص بأن يجد لنفسه، بمفرده، وسيلة للنجاة.
ربما نحتاج إلى النظر إلى التعب باعتباره رسالة، لا عيباً شخصياً. فالإنسان لا يتعب بالضرورة لأنه ضعيف، بل ربما يتعب لأنه ظل قوياً مدة أطول مما ينبغى. والمجتمع العادل ليس ذلك الذى يعلّم أفراده كيف يتحملون المزيد بلا شكوى، وإنما الذى يتوقف أحياناً ليسأل: لماذا أصبح العيش العادى يحتاج إلى كل هذه القوة؟

