خرج طلاب المدارس الثانوية فى فرنسا خلال الأيام الماضية إلى الشوارع، وأغلق بعضهم مداخل مدارسهم. بدأت الاحتجاجات بمطالب تبدو، للوهلة الأولى، شديدة المحلية: نقص المدرسين والعاملين، ازدحام الفصول، وتدهور المبانى والوسائل التعليمية؛ لكنها سرعان ما تجاوزت أسوار المدرسة، وامتدت إلى مئات المدارس، بالتزامن مع إضرابات لموظفى القطاع العام احتجاجًا على تخفيضات الموازنة وتجميد الأجور.
فما يحدث فى فرنسا اليوم يفتح نافذة على أزمة عميقة تعيشها أوروبا: تآكل دولة الرفاه، واهتزاز العقد الاجتماعى الذى استندت إليه لعقود؛ عقد يبدو اليوم أكثر هشاشة من أى وقت مضى، فى ظل مديونية متزايدة، وارتفاع تكاليف الخدمات، والتحولات الديموغرافية، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
حين تتآكل دولة الرفاه، لا تتراجع الخدمات وحدها، بل تهتز معها علاقة المواطن بالدولة. ومن هنا يمكن فهم ما يحدث فى فرنسا اليوم: يحتج الطلاب على أوضاع مدارسهم، وموظفو القطاع العام على الأجور والموارد، بينما يقف خلف الاثنين سؤال واحد: إلى أى مدى تستطيع الدولة أن تقلص ما تقدمه من تعليم وحماية وخدمات، بينما تطالب المواطن بالاستمرار فى الوفاء بالتزاماته تجاهها؟.
واللافت أن تآكل دولة الرفاه أنتج غضبًا فى فرنسا كما فى ألمانيا، لكن الغضب لم يسلك الطريق نفسه. ففى فرنسا، يجد جانب منه طريقه إلى الشارع، عبر الاحتجاج والإضراب والمطالبة بالحفاظ على الخدمات العامة، بدعم واضح من قوى اليسار. أما فى ألمانيا، فعلى الرغم من الصعود الواضح لليسار فى العاصمة برلين، نجح اليمين المتطرف فى استثمار جانب من القلق المرتبط بتراجع مستوى المعيشة والأمان الاقتصادى والضغط المتزايد على الخدمات، محققًا نتائج انتخابية غير مسبوقة فى عدد من الولايات. وقدّم لهذا القلق تفسيرًا بسيطًا وجد صداه لدى قطاع من الناخبين: المهاجرون يضغطون على السكن والخدمات والمساعدات الاجتماعية، ويتقاسمون مع المواطنين موارد دولة رفاه لم تعد قادرة، كما كانت من قبل، على الوفاء بوعودها للجميع.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج اهتزاز العقد الاجتماعى: حين يشعر المواطن بأن نصيبه يتضاءل، يتساءل: من الذى يحصل على ما أعتقد أنه حقى؟ عندها يصبح الغضب الاجتماعى أرضًا تتنافس عليها قوى سياسية مختلفة، كل منها يقدم تفسيره للأزمة ويحدد المسؤول عنها. ولذلك، فإن السؤال الذى تطرحه احتجاجات الطلاب الفرنسيين يتجاوز كثيرًا أسوار المدارس إلى سؤال أكبر: ماذا يحدث عندما يشعر المواطن بأن الدولة لم تعد قادرة على الوفاء بنصيبها من العقد الاجتماعى؟.

