أخطر ما يحدث للدولة ليس أن تسقط مؤسساتها، بل أن تبقى هذه المؤسسات قائمة، بينما ينتقل القرار الحقيقي إلى مكان آخر.
وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بقوة أمام الحديث عن “مجلس قيادة الدولة” : هل نحن أمام محاولة لتنظيم عمل الدولة، أم أمام محاولة لتنظيم السلطة على حساب الدولة؟
العراق لا يعاني نقصاً في العناوين والمؤسسات. لدينا رئاسة جمهورية وحكومة وبرلمان وقضاء ومؤسسات أمنية وعسكرية. لكن المشكلة كانت دائماً في شيء آخر: من يملك القرار عندما تتعارض مصلحة الدولة مع مصلحة الكتلة السياسية؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالكتلة التي تفوز بالانتخابات تحصل على حق المشاركة في الحكم، لكنها لا تحصل على الدولة. الحكومة ليست ملكاً للأحزاب التي تشكلها، والبرلمان ليس ملكاً للكتل التي تمتلك أغلبية فيه، ومؤسسات الدولة ليست مكاتب تابعة للقوى السياسية.
الدولة شيء، والسلطة شيء آخر.
السلطة تتغير، أما الدولة فيجب أن تبقى.
ولهذا فإن إنشاء مركز سياسي جديد لا معنى له إذا كان سيصبح، عملياً، فوق المؤسسات الدستورية أو موازياً لها. عندها لن نكون قد حللنا مشكلة القرار في العراق، بل صنعنا مشكلة أكبر: منظومة قرار مزدوجة؛ واحدة معلنة داخل الدولة، وأخرى فعلية خارجها.
وهنا تظهر خطورة فكرة “الدولة داخل الدولة” .
الدولة لا تُختطف دائماً بالقوة. أحياناً تُختطف بالتوافقات السياسية، وبالعناوين الكبيرة، وبالصيغ التي تبدو في ظاهرها حريصة على الاستقرار. ثم تكتشف الدولة، بعد فترة، أن القرار الذي يفترض أن يصدر من مؤسساتها أصبح يصدر من دائرة سياسية أضيق.
وهذا ما ينبغي أن يخشاه العراق.
فإذا كان المجلس المقترح مجرد إطار للتنسيق بين القوى السياسية، فلا مشكلة في ذلك. أما إذا أصبح مركزاً لصناعة القرارات الكبرى، ويتقدم على الحكومة أو البرلمان أو المؤسسات الدستورية، فإننا نكون أمام تغيير في طبيعة النظام السياسي نفسه.
المسألة هنا ليست خلافاً على اسم.
المسألة: هل هناك مؤسسة فوق الدولة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فالمشكلة أكبر من تشكيل مجلس جديد.
العراق جرّب طويلاً أن تكون الدولة ساحة لتوازنات الأحزاب والقوى والنفوذ. والنتيجة كانت واضحة: مؤسسات ضعيفة، قرار سياسي مرتبك، سلاح خارج القرار الوطني، واقتصاد يمكن أن يتأثر بالصراع السياسي أكثر مما يتأثر بحاجات الدولة والمجتمع.
لا يمكن بناء دولة قوية بهذه الطريقة.
الدولة القوية لا تحتاج مركزاً سياسياً فوق مؤسساتها. تحتاج مؤسسات قوية لا يستطيع أحد تجاوزها.
والأكثر إثارة للقلق هو توقيت هذه الفكرة. فالسياسة لا تنفصل عن الظروف التي تولد فيها. وعندما تشعر القوى الممسكة بالسلطة بأن نفوذها لم يعد مضموناً كما كان، تبدأ عادة بالبحث عن ترتيبات جديدة تحفظ مواقعها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام مشروع لإصلاح الدولة، أم أمام محاولة لحماية موازين نفوذ بدأت تشعر بالخطر؟
الفرق كبير.
إصلاح الدولة يعني تقوية مؤسساتها، وحصر القرار الأمني والعسكري بها، وحماية المال العام، وإعادة الاعتبار للقانون، وفتح الطريق أمام تداول السلطة.
أما إعادة توزيع القرار داخل الطبقة الحاكمة بما يضمن استمرار نفوذها، فهذه ليست دولة أقوى. هذه سلطة تبحث عن صيغة جديدة للبقاء.
ولهذا يجب ألا تنطلي علينا الأسماء.
ليس مهماً ماذا نسمي المجلس. المهم ماذا سيفعل، ومن سيحاسبه، وأين يقف بالنسبة إلى الدستور، ومن يملك القرار النهائي عندما يقع الخلاف.
إذا بقي داخل المؤسسات الدستورية فهو ترتيب سياسي يمكن مناقشته.
أما إذا أصبح مركزاً أعلى منها، فنحن أمام أمر مختلف تماماً.
إنه انقلاب سياسي بارد.
لا دبابات في الشوارع، ولا بيانات عسكرية، ولا إعلان بإسقاط النظام. فقط نقل تدريجي لمركز القرار من المؤسسات إلى مركز سياسي جديد، ثم إبقاء المؤسسات قائمة لتبدو الدولة كما هي، بينما تكون الدولة في الحقيقة قد تغيرت من الداخل.
وفي الظروف الحالية، يبدو هذا المسار أقرب إلى التعبير عن قلق متزايد من فقدان مزايا النفوذ منه إلى الاستجابة لحاجة وطنية ملحة.

