مقالات رئيس التحرير

من فكر أبتلى

جميل عبدالله

لقد جفت الثمار العلمية والفلسفية للذهنية العراقية . ولم يبق لديها عزم واضح من جانب آخر , لا يتناقص فيها الوسط الروحي الانكى من الطيش والجنون . فقد زال وانمحى الاعتزاز بالماضي والأمل بالمستقبل منذ أمد بعيد . وابتعدت الذهنية عن إعطاء المعنى للحياة , فلم تعد ذات عزم في أي نشاط من أنشطة الحياة . حيث خبت جذوة حب التعلم والفهم فيها , أما النقطة التي تصرف كل طاقاتها فيها , فهي أدارة يومها فقط وإنقاذها .

لم تتطور أية كفاءة أبعد من النطاق المحاذي البسيط , حتى في أكثر الميادين الاجتماعية شمولية . وترتكز كل الاشكال التنظيمية والحزبية الى المركزية الانانية المفرطة والغائرة . أما المأوى الاخير لها , فهو العائلية الرمزية التي ربما تتصدر لائحة الميادين الاكثر رجعية في الحياة , لافتقادها معناها منذ امد غابر . ويغيب فيها حب الانسان والانسانية المثالية بأعماقه العميقة .

أذ لا يوجد تعريف للانسان أصلا حتى تقدر على حبه ووده , حتى أعظم الوطنيين لديها ينحلون بمنفعية منسوجة بنسيج كثيف من المصالح . بأختصار , لم يتبقى من عوالم الذهنية التاريخية العراقية سوى نسيان كبير , وتبني جاهل , وافتقار تام للابداع , وأخاديع مضللة لا يمكن حتى تخيلها . ولا تتنازل او حتى تليق بنفسها التفكير او العمل على اكتساب الذهنية الاوربية او ذهنية الشرق الاقصى . بل ولا تفي قدرتها لذلك . لن يكون بمقدور هذه التعاريف الذهنية , التي بأمكاننا التوسع فيها أكثر , ان تنور أية ظاهرة او حدث او مرحلة , او ان تحلها او تسفر عن نتائج معينة , مهما انعكست عليها . فألانسداد يكمن في الذهنية ذاتها . وبألتحام بعض القوالب الذهنية , من قبيل الدين والقومية والافكار الحديثة , مع هذه الذهنية , تفقد نوعيتها ومزاياها الحقيقية , لتتحول الى وسائل عقيمة .

هذا الوضع القائم في الذهنية قاصر عن تحقيق الحل بشأن أية مشكلة كانت . وأنطلاقا من طبيعتها المؤدية الى أفتقارها لقابلية تكوين تركيبة جديدة من الذهنيات الاخرى , تفقد جميع أطروحات ومشاريع الحل معناها قبل أن تطرح للنقاش . فهي لا تستطيع استيعابها من حيث المعنى , ولا حتى إعطاءها . بل ولا يعثر حتى على ذهنية قد تشكل موضوعا في ” الثناء والاطراء للجنون ” الذي كان شائعا في أوربا في وقت من الاوقات . على الاقل كان هناك عشق اعمى في ذهنية ليلى ومجنون . أما الآن , فلا أثر لأي عشق , حتى لو كان أعمى . والنتيجة هي العدمية والانتحار . انها المحطة الاخيرة لافتقار الوجود الانساني معناه .