فى عام 2017، وقفت تيريزا ماى، رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، خلال جلسة لمجلس العموم البريطانى، قائلة إن بلادها ستحتفل بالذكرى المئوية لوعد بلفور وأن بريطانيا تفتخر بدورها فى تأسيس دولة إسرائيل.
وتزامن ذلك مع مقال لبوريس جونسون، وزيرًا خارجية بريطانيا حينذاك، يعرب فيه عن افتخار بلاده بالدور الذى لعبته فى تأسيس إسرائيل، وتحويل «وطن لليهود» إلى حقيقة. وبعد أن أبدت ماى وجونسون اعتزازهما وفخرهما بوعد بلفور، أكدا التزام بلدهما بحل الدولتين، الذى لم يتحقق حتى الآن.
لم تهتم بريطانيا برد الفعل الفلسطينى الغاضب إزاء هذه التصريحات، التى تتغافل معاناة الشعب الفلسطينى نتيجة هذا الوعد المشؤوم. وطالب الفلسطينيون الحكومة البريطانية بالاعتذار رسميًا عن وعد بلفور الذى أسهم فى سلب أرضهم وتشريدهم، بدلًا من الاحتفال به.
لكن الموقف البريطانى تجاه سياسات إسرائيل تغير كثيرا. ففى أغسطس الماضى، أصدرت أربع دول أوروبية، هى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، بيانًا مشتركًا طالبت فيه إسرائيل بالتراجع الفورى عن خطط التوسع الاستيطانى فى الضفة الغربية، محذرة من أن استمرار الاستيطان سيؤدى إلى تقسيم الضفة، ويقوض تمامًا فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وشددت هذه الدول على مخالفة هذه المستوطنات الإسرائيلية للقانون الدولى، وأعربت عن قلقها من عنف المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين.
ومؤخرا صدر بيان كندي-أوروبى ضم الدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد وبريطانيا، أكد معارضة هذه الدول لأى خطوات من شأنها أن تؤدى إلى ضم الأراضى أو التهجير القسرى، مع التشديد على حل الدولتين.
كما أعلن وزير الخارجية البريطانى، إد ميليباند، أمام مجلس العموم، تحولًا فى موقف بلاده من الاستيطان الإسرائيلى، وفرض حزمة من العقوبات تستهدف أفرادًا وشركات تسهم فى تمويل المستوطنات وبنائها وتوسيعها، إضافة إلى منع الترويج لعقارات المستوطنات داخل المملكة المتحدة.
واعتبرت الحكومة البريطانية أن الاحتلال الإسرائيلى غير قانونى، ووجهت انتقادات حادة لما وصفته بغض الطرف عن ممارسات المستوطنين التى تستهدف الفلسطينيين فى الضفة الغربية.
وبالتأكيد، لم تكن حكومة نتنياهو المتطرفة تنتظر هذا الموقف من بريطانيا، صاحبة وعد بلفور التاريخى. فجاء الرد الإسرائيلى بإغلاق القنصلية البريطانية فى القدس الشرقية، وإمهال الدبلوماسيين البريطانيين 30 يومًا قبل سحب اعتمادهم، فضلًا عن مطالبة مسؤولين بريطانيين فى الضفة الغربية ومركز تنسيق غزة بمغادرة مواقعهم.
واعتبرت وزير الخارجية الإسرائيلى، جدعون ساعر تصريحات وزير الخارجية البريطانى بأن: «إرهاب المستوطنين مستشرٍ ويتسبب فى تطهير عرقى للفلسطينيين فى الضفة الغربية، وان الحكومة الإسرائيلية تغض الطرف عن ذلك»، اتهامات مشينة وكاذبة، متوعدًا بالرد، ومتهمًا لندن بالتدخل فى شؤون بلاده.
(2) إسرائيل فى مواجهة العزلة الدولية.. فهل تتراجع أمريكا؟
أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالدول التى اتخذت قرارات العقوبات، لكنها دعت إلى اتخاذ «إجراءات ملموسة» لوقف «مشروع الاستيطان الإسرائيلى غير القانونى».
لكن هذه الإجراءات لا يمكن أن تكون فعالة من دون موقف أمريكى حازم وحاسم، فهى الداعم الأهم لإسرائيل عسكريًا وسياسيًا، كما تساندها فى المحافل الدولية، رغم أنها أصبحت منبوذة فيها على حد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق، إيهود أولمرت، الذى اتهم بنيامين نتنياهو بمسؤوليته عن ذلك.
بريطانيا، صاحبة وعد بلفور، تراجع مواقفها تجاه سياسات الاحتلال والاستيطان. وربما يأتى يوم تعتذر فيه رسميًا عن وعد بلفور، ليكون اعترافًا بأن التاريخ لا يُغلق صفحاته بمجرد مرور الزمن.
فهل تراجع الولايات المتحدة موقفها هى الأخرى؟
هل تعيد النظر فى سياستها تجاه إسرائيل، فى محاولة لاستعادة جزء من صورتها كوسيط قادر على لعب دور متوازن فى عملية السلام فى الشرق الأوسط؟ أم تترك موقعها لمنافسيها؟.

