مقالات

هل يمكن مكافحة الفساد بطريقة فاسدة؟

مهنا النويصر

الحملة غير المسبوقة في السعودية ضد الأسرة والتجار والدعاة والعلماء والمثقفين؛ اتخذت لافتات مختلفة.. فالأمراء وكبار التجار تم حبسم باسم الفساد، والعلماء والدعاة باسم التطرف، والمثقفون باسم عدم السير في ألعاب السيرك التي تدار ضد دول مجاورة.. كل ذلك أدى وسيؤدي إلى شروخ كبيرة في داخل المملكة.

ولعل من الإيجابيات وسط هذه المشاكل؛ أن الناس أصبحت لديهم القدرة على نزع الحصانة عن أمراء آل سعود، بعد أن مزّق حصانتهم ولي العهد وألقاهم في قفص الفساد، فلم يكن أحد يجترئ من قبل على وصف أي أمير بالفساد إلا في مجالس آمنة.. كما أن من الإيجابيات؛ كشف الملك وولي عهده عن التوجه المتسارع نحو الليبرالية والتطبيع، وهذا أمر كان أيضا يتم الحديث عنه بهمس شديد.

من الإيجابيات وسط هذه المشاكل؛ أن الناس أصبحت لديهم القدرة على نزع الحصانة عن أمراء آل سعود، بعد أن مزّق حصانتهم ولي العهد

كما لا يمكن أن نُغفل أن أيا من المعتقلين، سواء من التجار أو الأمراء أو غيرهم، إذا تمكن من الخروج خارج البلاد بعد الحظر الواسع للسفر سوف يشكل نوعا من المعارضة للنظام بشكل أو بآخر؛ لأن طبيعة الأمور التي سلكها ولي العهد سوف توصل لهذه النتيجة. وبالتالي، سوف ترتفع آفاق الناس نحو تطلعات أكبر، ولو بعد حين.

وهذا ما يقودنا إلى الإيجابية التي من المتوقع أن تتنامى بسرعة، وهي التفات الشعب إلى حجم الفساد، ليس المالي فقط، بل والسياسي والإداري والأمني أيضا، والمتمثل في حجم الكبت والقمع، والإصرار على جعل الناس ضمن قطيع يسير وفق رغبات الديوان الملكي ورجال الظل فيه. وهذه الإيجابية لا يعادلها في قيمتها إلا حديث الناس اليوم عن استحالة مقاومة الفساد ممن يمارس أبشع أنواعه المالية والأمنية والعسكرية والإدارية، وهو ما عبر عنه كثير من المغردين بعبارة: هل يمكن مكافحة الفساد على يد شخص هو رأس الفساد في البلد؟

صحيح أن الأسماء المشهورة من المغردين إما حُبسوا أو أوقفوا عن التغريد، أو ذهبوا يتكلمون عن فضائل الأخلاق والمشاكل الصغيرة.. لكن المؤكد أن معظم الشباب السعودي المهتم بالشأن العام يمتلك حسابين أو ثلاثة بأسماء وهمية؛ خوفا من الاعتقال، ورغبة في إبقاء صوت الحقوق والحريات موجودا رغم القمع الشامل.

لا يخفى على كثير من المراقبين أن الأسماء التي اعتقلت من الأمراء إنما اعتقلت على خلفية عدم رضاهم بمجيء ابن سلمان ملكا

لا يخفى على كثير من المراقبين أن الأسماء التي اعتقلت من الأمراء إنما اعتقلت على خلفية عدم رضاهم بمجيء ابن سلمان ملكا. ولم يسلم من هؤلاء إلا الأمير أحمد بن عبد العزيز والأمير فيصل بن سلمان والأمير طلال بن عبد العزيز، ولكل واحد منهم سبب يمنع اعتقاله..

أما التجار، فالهدف من سجنهم “حَلْب” ما لديهم من أموال، وسوف يخرج الجميع عندما يذعنون للأمر الواقع؛ بالرضا بحكم ابن سلمان المطلق، أو بدفع الأموال له، أو بالأمرين معا، كحال الواليد بن طلال..

أما المشائخ والدعاة، فقصتهم قد تطول؛ لأن وجودهم في السجن فيه إرضاء لأبو ظبي ونتنياهو والسيسي، وفيه تخويف للبقية من ذوي الاتجاه الإسلامي والوطني. كما يتضمن اعتقالهم رسالة للعالم بأن ابن سلمان قد أخذ بنصيحة عبد الرحمن الراشد التي كتب عنها؛ حين نبهه إلى أن إبداعه وسرعته لا تتلاءم مع سيارة قديمة متهالكة، فوعده ابن سلمان بأن يغير العربة. ثم بعدما حجّم “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وفتح الترفيه والمدن السياحية ونوادي الإبل والصقور، وسجن للقضاة والعلماء، وعزل ابن نايف ومتعب، قال له باعتزاز: ألم أقل لك بأني سوف أغير السيارة؟!

 

admin