أبوظبي وبرلين.. شراكة متعددة الأبعاد تتجاوز الطاقة

2

محمد الصالحين الهوني – العرب اللندنية

 

الزيارة التي قام بها المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى أبوظبي، ولقاؤه بالشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، أظهرت أن القوى الغربية باتت ترى في الشراكة مع الإمارات ربحاً مضموناً، نظراً لما تتمتع به الدولة الخليجية من استقرار فريد ومصداقية عالية ورؤية سياسية واضحة واقتصاد حيوي.

الزيارة لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل جاءت لتؤكد أن العلاقات بين برلين وأبوظبي دخلت مرحلة جديدة من العمق والتنوع، وأن الإمارات باتت شريكاً لا يمكن تجاوزه في منطقة الخليج. توقيع مذكرات تفاهم في مجالات الطاقة والغاز الطبيعي المسال والصناعات الكيماوية، إضافة إلى التعاون في الرياضة والثقافة، يعكس أن الشراكة بين البلدين لم تعد محصورة في الاقتصاد التقليدي، بل أصبحت متعددة الأبعاد تشمل السياسة والابتكار والقوة الناعمة.

من الناحية الاقتصادية، جاءت زيارة ميرتس لتؤكد أن ألمانيا التي واجهت أزمة طاقة خانقة بسبب الحرب في أوكرانيا وتراجع اعتمادها على الغاز الروسي، وجدت في الإمارات شريكاً موثوقاً لتأمين احتياجاتها. مذكرة التفاهم بين شركة “أدنوك” الإماراتية و”آر دبليو إي” الألمانية لتوريد الغاز الطبيعي المسال بما يصل إلى مليون طن سنوياً لمدة 10 سنوات، تعكس أن برلين تراهن على أبوظبي لتأمين جزء من استهلاكها الوطني، وتجنب تكرار خطأ الاعتماد المفرط على مصدر واحد كما حدث مع روسيا. هذا الاتفاق أكثر من مجرد صفقة تجارية، هو جزء من إستراتيجية أوسع لتنويع مصادر الطاقة وضمان أمن الإمدادات في ألمانيا وأوروبا. وفي الوقت نفسه، وقّعت شركة “مصدر” الإماراتية مذكرة تفاهم مع “آر دبليو إي” لتطوير مشاريع تخزين الطاقة بالبطاريات في ألمانيا، ما يعكس أن التعاون بين البلدين يتجاوز النفط والغاز ليشمل الطاقة المتجددة والابتكار التكنولوجي.

هذه الشراكات الاقتصادية تؤكد أن الإمارات لا تكتفي بتصدير النفط والغاز، بل تستثمر بقوة في مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، وهو ما يتوافق مع إستراتيجية ألمانيا للتحول الطاقي. إلى جانب ذلك، تُعد الإمارات من أكبر المستثمرين العرب في ألمانيا، حيث تتوزع استثماراتها بين العقارات والبنية التحتية والقطاعات الصناعية، فيما تستفيد الإمارات من التكنولوجيا الألمانية المتقدمة في مجالات السيارات والهندسة والطب. حجم التبادل التجاري بين البلدين شهد نمواً ملحوظاً، ليعكس أن العلاقة لم تعد أحادية الاتجاه، بل هي شراكة متوازنة تحقق مكاسب للطرفين. الشركات الألمانية ترى في السوق الإماراتية والخليجية فرصاً واسعة، خصوصاً مع المشاريع العملاقة التي تطلقها أبوظبي ودبي في مجالات السياحة والنقل والابتكار.

ومن منظور القوى الغربية، الإمارات تمثل بيئة استثمارية مستقرة، ذات قوانين واضحة وبنية تحتية متطورة، ما يجعل الدخول إلى السوق الإماراتية أقل مخاطرة مقارنة بأسواق أخرى في المنطقة، ويجعل الاستثمار فيها ربحاً مضموناً على المدى الطويل.

سياسياً، الإمارات تبنت سياسة خارجية نشطة ومتوازنة، تجمع بين الانفتاح على الغرب والحفاظ على علاقات إستراتيجية مع القوى الآسيوية مثل الصين والهند. هذا التوازن يجعلها شريكاً جذاباً لألمانيا، التي تبحث عن موطئ قدم قوي في الخليج لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي. برلين ترى أن التعاون مع أبوظبي يمنحها نفوذاً إضافياً في منطقة حيوية، دون أن تضطر إلى الدخول في صراعات مباشرة.

الإمارات لعبت دوراً بارزاً في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي، من خلال مشاركتها في التحالفات الدولية ودعمها للمبادرات الأممية، ما يجعلها شريكاً موثوقاً بالنسبة إلى ألمانيا التي ترى أن التعاون الأمني مع الإمارات يعزز استقرار المنطقة ويقلل المخاطر التي قد تؤثر على مصالحها الاقتصادية والسياسية. القوى الغربية تدرك أن التعاون مع الإمارات يمنحها نفوذاً سياسياً في الخليج دون تكاليف سياسية كبيرة، فالإمارات دولة مستقرة، ذات سياسة خارجية براغماتية، ما يجعلها شريكاً مثالياً لتحقيق مصالح الغرب في المنطقة. هذا الربح السياسي يتجلى في قدرة ألمانيا على تعزيز حضورها الدولي عبر شراكة مع دولة خليجية صاعدة، دون أن تدخل في مواجهات أو تناقضات حادة مع القوى الإقليمية الأخرى.

أما على الصعيد الثقافي والإنساني فإن العلاقات الإماراتية – الألمانية تمتد إلى مجالات التعليم والبحث العلمي والتبادل الثقافي. هناك تعاون متزايد في مجالات البحث العلمي والجامعات وتبادل الطلاب، حيث تستضيف الإمارات فروعاً لجامعات ألمانية وتستثمر في برامج تعليمية مشتركة، ما يعزز التبادل الثقافي ويخلق جسوراً بين المجتمعين.

الإمارات وظفت قوتها الناعمة بشكل ذكي عبر دعم الفنون والثقافة والرياضة، وهذا الانفتاح الثقافي يجعلها شريكاً جذاباً لألمانيا التي ترى في التعاون الثقافي وسيلة لتعزيز حضورها في الخليج. المعارض الفنية والمهرجانات والمبادرات الثقافية المشتركة تعكس أن العلاقة بين البلدين ليست فقط مصلحية، بل تحمل بُعداً إنسانياً وحضارياً. ومن منظور القوى الغربية، الشراكة الثقافية مع الإمارات تعزز صورة الانفتاح والتنوع، وتفتح قنوات للتأثير المتبادل. ألمانيا، التي تسعى إلى تعزيز قوتها الناعمة عالمياً، تجد في الإمارات منصة مثالية لنشر ثقافتها وقيمها، وفي الوقت نفسه تستفيد من الانفتاح الإماراتي لتوسيع دائرة التفاعل الحضاري.

ورغم قوة هذه الشراكة، هناك تحديات لا يمكن تجاهلها. اختلاف الأولويات السياسية بين ألمانيا والإمارات قد يخلق فجوات في بعض الملفات، خصوصاً في القضايا الإقليمية الحساسة. كذلك، المنافسة مع قوى أخرى في الخليج مثل السعودية وقطر قد تحد من قدرة ألمانيا على تعزيز نفوذها عبر الإمارات وحدها. لكن الفرص تبدو أكبر من التحديات، فالتعاون في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا والأمن الإقليمي والابتكار يفتح آفاقاً واسعة للشراكة. إذا استطاعت ألمانيا أن تستثمر بذكاء في هذه المجالات، فإنها ستضمن لنفسها موقعاً قوياً في الخليج عبر بوابة الإمارات.

الإمارات اليوم ليست مجرد دولة ذات اقتصاد قوي، بل هي شريك وازن لألمانيا والقوى الغربية في منطقة الخليج. هذه الشراكة تحقق ربحاً مضموناً على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية، لأنها تجمع بين الاستقرار والقدرة على النمو، وبين الانفتاح والبراغماتية. الدول الأوروبية ترى في الإمارات نموذجاً لدولة صاعدة يمكن الاعتماد عليها، فيما ترى ألمانيا أن هذه الشراكة تمنحها نفوذاً إضافياً في منطقة حيوية.

لكن السؤال يبقى: هل ستظل هذه الشراكة متوازنة ومستقرة في ظل التحولات العالمية، أم أنها ستواجه تحديات جديدة مع صعود قوى أخرى في المنطقة؟ ما هو مؤكد أن الإمارات نجحت في ترسيخ نفسها كفاعل لا يمكن تجاهله، وأن ألمانيا والقوى الغربية تدرك أن الاستثمار في هذه العلاقة ليس مجرد خيار، بل ضرورة إستراتيجية.

التعليقات معطلة.