بارزاني يطالب بوضع حد لـ”الانتهازيين”.. والمسيّرات تضرب بلا رد من بغداد
بغداد/ تميم الحسن
في لحظة بالغة الحساسية نفجر خلاف جديد بين بغداد وأربيل حول النفط، لكن هذه المرة على إيقاع الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تضرب منشآت الطاقة في إقليم كردستان.
وسط هذا المشهد المضطرب، خرج زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني برسالة دعا فيها الحكومتين الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان إلى اجتماع عاجل، محذراً من أن العراق يقف على حافة أزمات متراكمة في وقت تعيش فيه المنطقة حروباً واضطرابات واسعة.
وانتقد باحث كردي ما وصفه بـ«الهجمة المنظمة» التي تستهدف إقليم كردستان، معتبراً أن جهات «انتهازية» تقف وراء هذه الحملة بهدف التغطية على ما قال إنها «جرائم» ترتكبها الفصائل المسلحة بحق الإقليم منذ بداية آذار الحالي.
وفي خضم هذا الجدل المتصاعد، قرر مجلس النواب عقد جلسة مشتركة اليوم الثلاثاء تجمع بين وزارة النفط الاتحادية ووزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان، لبحث تداعيات الخلاف بعد إعلان بغداد أن أربيل ترفض تمرير النفط عبر خطوط التصدير ما لم تُلبَّ شروط محددة.
ويأتي هذا التطور بينما يواجه خط الأنابيب الذي ينقل النفط إلى ميناء جيهان التركي اضطرابات متكررة، إذ توقف أكثر من مرة خلال الأسبوعين الأخيرين نتيجة عمليات قصف استهدفت شركات الطاقة في الإقليم. وتقول مصادر إن هذه الهجمات جاءت في سياق انخراط جماعات عراقية مسلحة في المواجهة العسكرية المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة.
نداء للحوار
وأمس قال زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني في رسالة إلى حكومتي بغداد وأربيل إن البلاد تواجه “خطر الانزلاق إلى أزمات متعددة مع تصاعد الاستقطاب السياسي بين القوى المختلفة”، داعياً بغداد وأربيل إلى الجلوس على طاولة واحدة لمعالجة القضايا الشائكة والخلافات العالقة والتوصل إلى اتفاقات واضحة.
وشدد على ضرورة وضع حد لما وصفهم بـ«الانتهازيين» الذين يسعون، بحسب تعبيره، إلى تأجيج الخلافات وتعميق الأزمات بين الطرفين.
في المقابل، صعّدت حكومة إقليم كردستان لهجتها تجاه بغداد، متهمة الحكومة الاتحادية بفرض حصار اقتصادي خانق على الإقليم منذ مطلع كانون الثاني الماضي، وهو ما أدى ـ بحسب بيان رسمي ـ إلى حرمان تجار كردستان من الوصول إلى العملة الصعبة.
وأضافت حكومة الإقليم أن بيان وزارة النفط الاتحادية، الذي تحدث عن رفض أربيل استئناف تصدير النفط عبر خط الأنابيب المتجه إلى ميناء جيهان التركي، تجاهل ما وصفته بـ«الأبعاد الحقيقية للأزمة».
وبحسب البيان، فإن حقول النفط والغاز والمصافي ومنشآت الطاقة في الإقليم تعرضت خلال الفترة الأخيرة لاستهدافات «سافرة» من قبل ميليشيات خارجة عن القانون، الأمر الذي أدى إلى توقف الإنتاج بالكامل.
وأكدت حكومة الإقليم أن هذه الهجمات تسببت في غياب أي كميات نفطية يمكن تصديرها إلى الخارج، متهمة بغداد بالوقوف «مكتوفة الأيدي» وعدم اتخاذ إجراءات حازمة لردع تلك الهجمات أو منع تكرارها.
اتهامات للفصائل بالتغطية على الهجمات
في المقابل، قال الكاتب والباحث السياسي كفاح محمود إن ما يجري لا يمثل أزمة حقيقية بين بغداد وأربيل بقدر ما هو «حملة سياسية مفتعلة». وأوضح لـ(المدى) أن ما حدث خلال اليومين الماضيين ينسجم مع ما وصفه زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني بأنه تحرك لقوى «انتهازية» لديها مواقف مسبقة من الإقليم ومن مساعي حل الخلافات بين أربيل وبغداد.
ويرى محمود أن الحملة الحالية تهدف أساساً إلى “التغطية على الهجمات” التي تنفذها الفصائل المسلحة ضد الإقليم، مشيراً إلى أن القصف طال آبار النفط وحقول الغاز والمصافي وجميع منشآت الطاقة تقريباً. وأضاف أن الهجمات لم تقتصر على تلك المواقع، بل “امتدت إلى مطاري أربيل والسليمانية، فضلاً عن أحياء سكنية وفنادق”.
في السياق ذاته، أعلن زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني الأسبوع الماضي، أن حزبه سلّم الحكومة الاتحادية قائمة بأسماء الجهات المتورطة في الهجمات، ملوحاً باتخاذ إجراءات في حال عدم تحرك بغداد لوقفها.
ويقول محمود إن الضغوط على الإقليم لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تشمل أيضاً ما يصفه بـ«الحصار الاقتصادي» المفروض منذ سنوات، والذي تصاعد منذ بداية العام الحالي عبر إجراءات تتعلق بقوانين الضرائب والجمارك ومنع منتجات الإقليم من دخول أسواق الوسط والجنوب.
ويضيف أن قوى معروفة تقف وراء هذه الإجراءات وتمتلك أذرعاً فصائلية، واصفاً إياها بأنها جماعات «خارجة عن الدولة». ويشير إلى أن المشكلة، برأيه، لا تكمن فقط في الهجمات، بل في ما يصفه بتجاهل الحكومة الاتحادية لهذه التطورات، إذ يقتصر ردها – كما يقول – على بيانات إدانة دون إجراءات حاسمة، رغم أن الإقليم يتعرض منذ سنوات لعمليات قصف تستهدف منشآته النفطية والصناعية والزراعية.
وبحسب محمود، فإن بعض الفصائل تمكنت من التغلغل في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية وحتى الأمنية، معتبراً أن وجودها داخل البرلمان والحياة السياسية سمح لها بقيادة الحملة الأخيرة ضد الإقليم.
ويرى أن هذه الجماعات باتت تتصرف كـ«دول داخل الدولة»، تمتلك شبكات اقتصادية ومحاكم وسجوناً ومكاتب مالية، وتفرض الإتاوات على التجار وتسيطر على منافذ حدودية، محذراً من أن هذا الواقع يمثل خطراً على الدولة العراقية وسيادتها واقتصادها.
وفي هذا السياق، قال محمود إن رسالة بارزاني الأخيرة إلى الحكومتين الاتحادية وحكومة الإقليم تهدف إلى فتح مفاوضات معمقة ومنع ما وصفه بالقوى الانتهازية من استغلال التوترات الإقليمية لتصعيد الخلافات الداخلية، متسائلاً عن مصلحة العراق في التورط بالصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة.
في الأثناء، تبنت جماعة «أصحاب الكهف» المرتبطة بما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» مسؤولية عشر هجمات خلال 16 يوماً، كان أكثر من نصفها موجهاً ضد إقليم كردستان. وتشير تقارير إلى أن هذه الجماعة تشكلت قبل نحو 6سنوات وتعد قريبة من إيران.
كما أعلنت منظمات ومسؤولون أكراد أن الإقليم تعرض لأكثر 200 صاروخ وطائرة مسيّرة منذ بداية الحرب الإقليمية قبل أسبوعين، في وقت لا تزال فيه بغداد تواجه صعوبة في وقف هذه الهجمات التي طالت أيضاً منشآت حيوية في بغداد والبصرة، رغم إجراءات أمنية شملت إبعاد واعتقال بعض العناصر وإعفاء مسؤولين أمنيين.
بغداد: أربيل ترفض تمرير النفط
وزارة النفط العراقية أكدت بدروها أن سلطات إقليم كردستان رفضت السماح بعبور شحنات النفط الاتحادي عبر أنابيب الإقليم باتجاه ميناء جيهان، وذلك رداً على تساؤلات إعلامية وبرلمانية بشأن توقف الصادرات، خصوصاً مع تعطل التصدير من الجنوب عبر مضيق هرمز.
وقالت الوزارة في بيان، إنها تواصلت مراراً مع وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم لاستئناف التصدير بكميات تصل إلى 300 ألف برميل يومياً عبر خط الأنابيب داخل الإقليم، إضافة إلى نحو 200 ألف برميل من نفط حقول كردستان، مشيرة إلى أن الطاقة التصديرية للأنبوب تبلغ نحو 900 ألف برميل يومياً.
لكن بغداد أوضحت أن حكومة الإقليم رفضت استئناف التصدير حالياً وطرحت شروطاً «لا علاقة لها بموضوع تصدير النفط»، مؤكدة أن هذه الشروط يمكن بحثها لاحقاً بالتوازي مع استئناف الضخ، محذرة من أن استمرار التأخير سيحرم العراق من موارد مالية مهمة.
وجددت الوزارة دعوتها لأربيل لاستئناف التصدير فوراً بما ينسجم مع «المصلحة الوطنية العليا»، مشيرة إلى أنها كانت قد طلبت الأسبوع الماضي من حكومة الإقليم تصدير ما لا يقل عن 100 ألف برميل يومياً عبر خط الأنابيب المتجه إلى ميناء جيهان.
هجوم من «الإطار» ودعوات للتهدئة
وصعّد أطراف في «الإطار التنسيقي» هجومهم على إقليم كردستان، بالتزامن مع قرار مجلس النواب استضافة وزير النفط الاتحادي ووزير الثروات الطبيعية في الإقليم لبحث استئناف التصدير عبر خط الأنابيب إلى ميناء جيهان.
واعتبر النائب الأول لرئيس البرلمان عدنان فيحان والقيادي في “العصائب” أن قرار أربيل منع تصدير النفط دون شروط مسبقة «سابقة خطيرة»، محذراً من احتمال استخدام المشاريع المشتركة في «ابتزاز سياسي»، وداعياً إلى إعادة تصميم مشروع «طريق التنمية» بعيداً عن نفوذ الإقليم.
بدورها أكدت كتلة “الإعمار والتنمية” التي يتزعمها رئيس حكومة تصريف الاعمال محمد شياع السوداني، أن تصدير النفط من الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية وفق الدستور، داعية أربيل إلى الالتزام بمركزية القرار الاتحادي.
في المقابل، اتخذ ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي موقفاً أكثر هدوءاً، في خطوة رأى مراقبون أنها تعكس الخلافات داخل القوى الشيعية بشأن ملف رئاسة الحكومة.
وحذر الائتلاف من أن استمرار الخلاف بين بغداد وأربيل سينعكس على معيشة المواطنين، وداعياً إلى تغليب المصلحة الوطنية وتجنب التصعيد.
أما وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كردستان فرفضت اتهامات بغداد، مؤكدة أن توقف التصدير يعود إلى أسباب فنية وأمنية واقتصادية، بينها استهداف منشآت الطاقة وتوقف الإنتاج، ودعت إلى حوار عاجل لمعالجة الأزمة واستئناف الصادرات.

