يمكن القول إن العراق ليس ساحة فشل عابر في السياسة الخارجية الأميركية، بل هو المختبر الأكبر لوهم “إعادة تشكيل الدول بالقوة”. ففي عام 2003، أسقطت الولايات المتحدة الدولة العراقية باسم إسقاط النظام. واليوم، بعد أكثر من عقدين من الفوضى، تعود واشنطن – ولكن بخطاب مختلف وأدوات مختلفة لمحاولة إعادة ما هدمته بيديها:
السؤال الجوهري لم يعد: هل أخطأت أمريكا؟ فهذا بات شبه إجماع حتى داخل مؤسساتها. السؤال الأهم هو: لماذا تحاول الآن تصحيح المسار؟ وكيف؟
أولاً: 2003… حين سقطت الدولة لا النظام
الخطأ الأميركي الأكبر في العراق لم يكن الغزو بحد ذاته، بل ما تلاه. فقرار حلّ الجيش، وتفكيك مؤسسات الدولة، وإدارة البلاد بعقلية “سلطة الاحتلال”، لم يسقط نظام صدام حسين فقط، بل أسقط فكرة الدولة المركزية نفسها.
منذ تلك اللحظة:
تحوّل السلاح من أداة دولة إلى أداة جماعات.
استُبدلت المواطنة بالمحاصصة.
أُفرغ الدستور من روحه لصالح تسويات سياسية مؤقتة.
فُتح الباب واسعاً أمام قوى إقليمية، في مقدمتها إيران، لملء الفراغ.
ان ما حدث لم يكن “فشلاً في البناء”، بل “نجاحاً في التفكيك”.
ثانياً: لماذا تغيّر الموقف الأميركي اليوم؟
التبدّل الأميركي تجاه العراق لا ينبع من صحوة أخلاقية متأخرة، بل من تحوّل عميق في الحسابات الاستراتيجية.
فشل نموذج “إدارة الفوضى”
الرهان على عراق ضعيف لكنه قابل للضبط أثبت فشله. الميليشيات لم تُضبط، بل تمددت. والدولة لم تبقِ هشة فحسب، بل أصبحت عبئاً على الاستقرار الإقليمي.
النفوذ الإيراني خرج عن السيطرة
ما كان مقبولاً أميركياً كنفوذ محدود بعد 2003، تحوّل إلى هيمنة سياسية، عسكرية، واقتصادية. عراقٌ خارج سيطرة الدولة يعني عراقاً أقرب إلى طهران، وهذا يتناقض مع أولويات واشنطن في مرحلة الصراع المفتوح مع إيران.
كلفة الانهيار أعلى من كلفة الإصلاح
انهيار العراق اقتصادياً أو أمنياً لم يعد شأناً محلياً. النفط، الهجرة، الإرهاب، وحدود الفوضى كلها ملفات ترتدّ مباشرة على المصالح الغربية.
التحوّل في العقل الأميركي بعد أوكرانيا وغزة
العالم لم يعد يحتمل “دولاً فاشلة إضافية”. واشنطن باتت ترى أن ترميم الدول أحياناً أقل كلفة من تركها تتآكل.
ثالثاً: كيف تحاول أمريكا “إعادة الدولة”؟
اللافت أن الخطاب الأميركي الجديد لا يتحدث عن تغيير نظام، ولا عن احتلال، ولا عن هندسة سياسية شاملة. بل عن مفردات تبدو بديهية لأي دولة طبيعية:
دولة واحدة
سلاح واحد
قانون واحد
هذا الخطاب، الذكي، لا يمكن رفضه أخلاقياً، ولا مهاجمته سياسياً، لأنه ببساطة يطالب بما ينص عليه الدستور العراقي نفسه.
الأدوات المستخدمة اليوم تختلف جذرياً عن 2003:
الضغط السياسي لا العسكري
واشنطن تدرك أن أي عودة عسكرية مباشرة ستُقابل برفض شعبي واسع، وستُعيد إنتاج خطاب “الاحتلال”. لذلك تعتمد على الضغط الدبلوماسي، والاقتصادي، وربط الدعم بالإصلاح.
ملف السلاح خارج الدولة كمدخل ذهبي
نزع سلاح الفصائل ليس شعاراً أخلاقياً، بل مدخل قانوني ودستوري لإعادة تعريف الدولة. من دون هذا الملف، لا يمكن الحديث عن سيادة أو إصلاح.
إعادة هيكلة العملية السياسية لا إسقاطها
الهدف ليس إسقاط النظام القائم، بل إعادة ضبطه: تقليص نفوذ القوى التابعة للخارج، وإجبار الطبقة السياسية على التحرك داخل حدود الدولة لا فوقها.
استخدام الشرعية الدولية والإقليمية
الخطاب الأميركي اليوم محمي إقليمياً ودولياً، لأنه يتقاطع مع مخاوف دول الجوار، وليس مفروضاً عليها.
رابعاً: المعضلة العراقية… بين الفرصة والخطر
المفارقة القاسية أن الولايات المتحدة تحاول اليوم إعادة الدولة، في وقتٍ فقد فيه العراقيون ثقتهم بكل من يتحدث باسم “الإصلاح”.
الخطر لا يكمن فقط في فشل المشروع الأميركي، بل في فشل النخبة العراقية في التقاط اللحظة. فالدولة لا تُبنى بالضغوط الخارجية وحدها، بل بإرادة داخلية قادرة على تحويل الضغط إلى فرصة.
إذا استمرت القوى السياسية:
في الدفاع عن السلاح غير الشرعي،
وفي خلط الدولة بالعقيدة،
وفي تقديم الولاء الخارجي على العقد الوطني،
فإن أي محاولة لإعادة الدولة ستتحول إلى إدارة أزمة جديدة… لا أكثر.
هل تتعلم أمريكا؟ وهل يتعلم العراق؟
ربما تعلّمت واشنطن متأخرة أن إسقاط الدولة كان خطأً استراتيجياً. لكنها اليوم تحاول، ببراغماتية باردة، إعادة ما يمكن إنقاذه.
أما السؤال الأصعب، فهو الموجّه إلى بغداد لا واشنطن:
هل توجد إرادة عراقية حقيقية لاستعادة الدولة؟ أم أن الدولة باتت خطراً على من اعتاد العيش خارجها؟
في السياسة، كما في التاريخ، لا تُمنح الفرص مرتين بالسهولة ذاتها. والعراق اليوم يقف أمام مفترق نادر:
إما دولة تُستعاد، أو فوضى تُدار… حتى إشعار آخر .

