
في بداية 2023، توقّع محلّلون غربيّون نجاح القوّات الأوكرانيّة بالوصول إلى بحر آزوف وشطر المناطق التي تحتلّها روسيا إلى قسمين خلال الهجوم الأوكرانيّ المضادّ. بنيت التوقّعات على حجم المكاسب السريعة التي حقّقتها أوكرانيا أواخر 2022 وعلى الأسلحة الحديثة التي حصلت عليها القوّات الأوكرانيّة إضافة إلى التدريبات الغربيّة.
11 شهراً فقط كانت كافية لتغيير المزاج. في كانون الأوّل (ديسمبر) 2023، بات الغرب يخشى من احتمالات خسارة أوكرانيّة بعيدة المدى أمام الجيش الروسيّ. لم تكن نتائج الهجوم الأوكرانيّ المضادّ متواضعة جدّاً وحسب، بل يبدو أنّ القوّات الروسيّة استعادت المبادرة في بعض المناطق الأماميّة إضافة إلى أنّها سيطرت على مساحات أكبر من تلك التي حرّرتها أوكرانيا.
شتاء قاسٍ… على الروس
استقبلت روسيا سنة 2023 بأسوأ طريقة ممكنة. قبل ثلاث دقائق من السنة الجديدة، تعرّض مركز عسكريّ في ماكيفكا لضربة صاروخيّة أوكرانيّة أدّت إلى مقتل نحو 90 جنديّاً روسيّاً بحسب وزارة الدفاع الروسيّة. من جهتها، قالت كييف إنّ ضربتها قتلت نحو 400 عسكريّ وجرحت نحو 300 آخرين. لامت روسيا استخدام مجنّديها خطوط اتّصالات أوكرانيّة في مدرسة قريبة من الجبهة الأماميّة. ما حكي حينها عن “لوم الموتى” أظهر حجم التوتّر في موسكو. حصل كلّ ذلك على خلفيّة خريف صعب خسرت فيه روسيا نصف خيرسون وكامل منطقة خاركيف. ساوى ذلك نصف ما احتلّته روسيا طوال غزوها الذي بدأته في 24 شباط (فبراير) 2022.
بعد أيّام قليلة، عيّنت روسيا رئيس هيئة الأركان العامّة للقوّات الروسيّة الجنرال فاليري غيراسيموف قائداً مباشراً لـ”العمليّة العسكريّة الخاصّة” بدلاً من “الجنرال هرمجدّون” سيرغي سوروفيكين الذي أصبح في ذلك الوقت نائباً لغيراسيموف. أثار هذا الخبر دهشة كثر. شبّهه البعض بأن يقوم رئيس نادٍ لكرة القدم بدفع مدرّب فريقه للنزول إلى الملعب وتولّي شارة القيادة. كان ذلك اعترافاً رسميّاً غير مباشر بأنّ الحرب لا تجري وفق تطلّعات موسكو. لكن وسط هذه المشاهد الروسيّة القاتمة، كان هناك بعض الأنباء الإيجابيّة الخجولة في كانون الثاني. سيطرت قوّات “فاغنر” شبه العسكريّة بقيادة يفغيني بريغوجين على مدينة سوليدار المحصّنة على طريق التقدّم نحو مدينة باخموت (دونيتسك). كان ذلك أوّل انتصار عسكريّ لروسيا منذ أشهر. لكن في أماكن أخرى، كما في فوليدار (جنوب دونيتسك)، بدت النتائج سيّئة جدّاً على الروس. مثّلت فوليدار جزءاً من هجوم روسيّ مضادّ في الشتاء هدف إلى الاستيلاء على كامل منطقة دونباس (دونيتسك ولوغانسك). فشل الهجوم بشكل كبير، باستثناء محور باخموت، حيث حافظت “فاغنر” على تقدّمها مدعومة من قوّات نخبويّة في الجيش الروسيّ. إلى جانب ذلك، فشلت التوقّعات الروسيّة بشتاء أوروبّيّ وأوكرانيّ بارد بسبب العقوبات أو استهداف البنى التحتيّة الأوكرانيّة. لقد كان الشتاء قاسياً على الروس بالأخصّ.
في الربيع، بدأت التساؤلات عن أسباب تأخّر انطلاق الهجوم الأوكرانيّ المضادّ الذي طال انتظاره. أتت التساؤلات على خلفيّة استمرار تراجع القوّات الأوكرانيّة في باخموت وسط موجات لا هوادة فيها من الهجوم الروسيّ. بدأت التقارير تتحدّث عن خلافات بين الأوكرانيّين والغربيّين بشأن فائدة الاستمرار في الدفاع عن باخموت. كانت كييف تريد استنزاف المهاجمين الروس استعداداً لهجومها المضادّ، لكنّ وتيرة الاستنزاف المتبادل ظلّت خاضعة لتكهّنات عدّة.
في 20 أيّار، سقطت مدينة باخموت بيد قوّات “فاغنر” فحقّقت روسيا انتصاراً عسكريّاً نادراً وكبيراً على المستوى الدعائيّ. غير أنّ انتصارها كان باهظ الثمن إذ استغرقت المعركة نحو تسعة أشهر وكلّفت “فاغنر” بحسب يفغيني بريغوجين نحو 20 ألف قتيل (قسم كبير من هؤلاء من المساجين). وقال مسؤولون غربيّون إنّ المعركة كلّفت روسيا نحو 60 ألف خسارة بين قتيل وجريح وفق “رقم متحفّظ“. وأعلنت قناة “التلغرام” التابعة لـ”فاغنر” عن عدد مشابه من الخسائر. وأفاد إعلام غربيّ أنّ أوكرانيا خسرت خلال الدفاع عن باخموت نحو 20 ألف عنصر بين قتيل وجريح. بينما قال بريغوجين إنّ أوكرانيا خسرت نحو 50 ألف قتيل وبين 50 إلى 70 ألف جريح. لكن ثمّة كلفة أخرى للمعركة تكبّدتها روسيا لاحقاً.
انطلاقة متعثّرة… وزلزال في موسكو
في الأسبوع الأوّل من حزيران (يونيو)، انطلق الهجوم الأوكرانيّ المضادّ على ثلاثة محاور حيث كان التركيز على محور أوريخيف (زابوريجيا) الذي تكبّدت فيه أوكرانيا خسائر جسيمة خلال بداية المعارك والذي حقّقت فيه التقدّم الأعمق نسبيّاً في الأشهر اللاحقة. وتقدّمت أيضاً على محور فيليكا نوفوسيلكا (يشمل بلدات متداخلة بين زابوريجيا ودونيتسك) كما هاجمت أجنحة باخموت لمحاولة .

بينما كان هجوم أوكرانيا متعثّراً، انفجر الوضع داخل روسيا، حين قرّر زعيم “فاغنر” بريغوجين خوض “مسيرة عدالة” من المقرّ العام لقيادة الجيش الروسيّ في مدينة روستوف أون دون نحو العاصمة موسكو بسبب ما قال إنّه تآمر من وزارة الدفاع وقيادة الجيش الروسيّ على مقاتليه. انطلق التقدّم العسكريّ بعد ظهر 23 حزيران وتوقّف بعد نحو 24 ساعة على بعد 200 كيلومتر من العاصمة تقريباً. أتى ذلك بعد توسّط الرئيس البيلاروسيّ ألكسندر لوكاشينكو لوقف تقدّم بريغوجين على أن تنتقل قوّاته إلى مراكز تدريبيّة في بيلاروسيا أو ينضمّ بعضها رسميّاً إلى الجيش الروسيّ. بذلك، انتهت رسميّاً “فاغنر” كقوّة مقاتلة مستقلّة، لكن أيضاً فعّالة، على الأراضي الأوكرانيّة. بهذا المعنى، كانت باخموت سبباً غير مباشر على الأقلّ في تحييد “فاغنر” عن الميدان الأوكرانيّ إلى حدّ كبير.
الهجوم الأوكرانيّ يتبدّد
مع استمرار بطء التقدّم الأوكرانيّ بسبب شبكة معقّدة من الخنادق والألغام التي أعدّت لها روسيا خلال الشتاء إلى جانب التردّد الغربيّ في إرسال بعض الأسلحة إلى أوكرانيا، بدأت الخلافات تظهر بين الحلفاء وكييف خصوصاً في قمّة فيلنيوس الأطلسيّة أوائل تمّوز (يوليو) حيث أصيب الأوكرانيّون بخيبة أمل لأنّها لم تقدّم لأوكرانيا “خطّة عمل العضويّة”. عبّر زيلينسكي عن غضبه على “تويتر” وردّ غربيّون بأنّهم يحبّون من الأوكرانيّين أن يظهروا “بعض الامتنان”. انتهت القمّة بالتهدئة لكنّ الإخفاقات الميدانيّة وعدت بالمزيد من الخلافات. على الضفّة الأخرى، كان الوضع أيضاً شديد التوتّر. اتّهم قائد جيش الأسلحة المشتركة الـ58 الميجور جنرال إيفان بوبوف القيادة العسكريّة الروسيّة بضرب قدرات جنوده واصفاً الخسائر الروسيّة في الحرب بأنّها “أهمّ مأساة في الحرب الحديثة”. وتمّت إقالة بوبوف من منصبه بعدما وُضع سوروفيكين قيد الإقامة الجبريّة بسبب اشتباه بمعرفته المسبقة بـ”مسيرة العدالة”.

في النصف الثاني من آب (أغسطس)، سيطرت أوكرانيا على بعض البلدات المهمّة في محور أوريخيف مثل روبوتين ويوروجين. فجأة، بدت مدينة توكماك الاستراتيجيّة على بعد نحو 20 كيلومتراً من القوّات الاوكرانيّة. لكن حين بدا تحقيق الحدّ الأدنى من هدفهم الاستراتيجيّ ممكناً، كان زخمهم قد بلغ ذروته في أواخر آب تقريباً. مع ذلك، حقّقت أوكرانيا لاحقاً خرقاً لافتاً على الضفّة الشرقيّة من نهر دنيبرو حيث أقامت رأس جسر في بلدة كرينكي ضمن عمليّة صعبة وجريئة بحسب البعض. لكنّ موطئ القدم الذي حقّقته أوكرانيا مكلف وغير راسخ. أمّا الهجمات الأوكرانيّة الأشدّ وقعاً على الروس، ولو من الناحية النفسيّة إلى حدّ بعيد، فقد كانت تلك التي شنّتها كييف على الأسطول الروسيّ في القرم الأمر الذي اضطرّ موسكو إلى إبعاد بعض أصولها البحريّة من شبه الجزيرة إلى ميناء نوفوروسيسك الروسيّ. في أواخر أيلول، كانت أوكرانيا قد استعادت نحو 370 كيلومتراً مربّعاً لكنّ روسيا احتلّت خلال الفترة نفسها نحو 850 كيلومتراً مربّعاً. وفي الأسابيع الأخيرة، تسارعت وتيرة الأنباء السيّئة بالنسبة إلى أوكرانيا.
خريف قاتم
ما كان تعثّراً ميدانيّاً أصبح تعثّراً سياسيّاً على مستوى أوسع في خريف 2023. بدأت الانتخابات الأوروبّيّة تفرز انتصار شعبويّين موالين لموسكو كما حصل في هولندا وسلوفاكيا، وعرقلت المجر حزمات مساعدة أوروبّيّة بقيمة تفوق 50 مليار دولار إلى أوكرانيا. في الوقت نفسه، عرقلت مجموعة جمهوريّة متطرّفة مساعدات عسكريّة أميركيّة بقيمة 61 مليار دولار إلى أوكرانيا مشترطة إصلاح سياسات الهجرة للإفراج عن تلك المساعدات. وحوّلت الحرب الإسرائيليّة على غزّة جزءاً كبيراً من التركيز الأميركيّ عن أوكرانيا. فجأة، حين كانت كييف خائفة ممّا سيحصل للدعم العسكريّ الأميركيّ في 2025، أي بعد عودة محتملة لترامب إلى البيت الأبيض، أضحت المخاوف مرتبطة بالأسابيع وبالحدّ الأقصى بالأشهر القليلة المقبلة.
وفي حين كان زيلينسكي يناشد الدول الغربيّة لمواصلة دعم بلاده عسكريّاً على قاعدة أنّ الانتصار لا يزال ممكناً، خرج قائد القوّات الأوكرانيّة الجنرال فاليري زالوجني ليقول في بداية تشرين الثاني (نوفمبر) إنّ الحرب بلغت حالة مراوحة لن يكسرها إلّا اختراق تكنولوجيّ متزامن في مجالات عسكريّة متنوّعة، وقد استبعد حدوث ذلك في المدى القريب. الآن، باتت التقارير تتحدّث عن خلافات داخل كييف نفسها. ولم تثمر زيارة زيلينسكي الأخيرة إلى واشنطن في إقناع الجمهوريّين المتردّدين بمواصلة دعم بلاده.
إذاً، ماذا تعني كلّ هذه التطوّرات بالنسبة إلى مسار الحرب سنة 2024؟ هل تبدأ روسيا بتحقيق مكاسب كبيرة في الأشهر المقبلة، أم سيكون بإمكان أوكرانيا استعادة توازنها؟
محاولات إجابة في إضاءات مقبلة.

