إسقاط الدور قبل إسقاط النظام: الحرب على إيران تمهّد الطريق لحسم الصراع مع بكين

19





 

في الحسابات الاستراتيجية الكبرى، لا تُخاض الحروب دائمًا لإسقاط أنظمة، بل لإسقاط أدوار. ومن يقرأ التصعيد المتدرج ضد إيران على أنه مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، يفوته جوهر اللحظة التاريخية: الولايات المتحدة لا تعيد ترتيب الشرق الأوسط من أجل إيران، بل تستعد لمعركتها الحاسمة مع الصين.
إيران… من خصم مباشر إلى وظيفة معطِّلة
لسنوات طويلة، شكّلت إيران خصمًا مزعجًا للسياسة الأمريكية، لكنها لم تكن أبدًا التهديد الأول. اليوم، تغيّر موقعها في العقل الاستراتيجي الأمريكي: لم تعد مجرد دولة معادية، بل دولة تؤدي دورًا يعطّل الاستعداد الأمريكي لمواجهة بكين.
المشكلة لم تعد في طبيعة النظام الإيراني بحد ذاته، بل في الدور الذي يلعبه:
منصة نفوذ صيني في قلب الشرق الأوسط
عقدة لوجستية على طرق الطاقة
نقطة ارتكاز في مشروع “الحزام والطريق”
ورقة ضغط صينية غير مباشرة على واشنطن وحلفائها
بهذا المعنى، أصبحت إيران جزءًا من معادلة الصراع الأمريكي–الصيني، لا ملفًا مستقلًا.
لماذا “إسقاط الدور” أولًا؟
في السياسة الواقعية، إسقاط النظام خيار أخير، عالي الكلفة، محفوف بالمخاطر.
أما إسقاط الدور، فهو:
أقل تكلفة
أكثر مرونة
ويحقق الهدف الاستراتيجي دون انفجار شامل
واشنطن لا تحتاج اليوم إلى انهيار شامل في إيران، بل إلى:
تفكيك ارتباطها بالصين
تقليص قدرتها على لعب دور الوكيل الإقليمي
تحييد جغرافيتها عن المشروع الصيني
من هنا، نفهم لماذا تُدار المواجهة مع طهران عبر الضغط المركّب: عقوبات، ضربات محدودة، استنزاف اقتصادي، ورسائل أمنية محسوبة، دون الذهاب إلى الحرب الشاملة.
الحرب كتمهيد… لا كغاية
عندما تُستخدم كلمة “حرب” في السياق الإيراني، فهي لا تعني بالضرورة اجتياحًا أو إسقاطًا فوريًا، بل حرب أدوار:
ضرب القدرة على التأثير الإقليمي
إنهاك شبكة الحلفاء
تقليص هامش الحركة أمام بكين
كل ضربة محسوبة، وكل تصعيد محدود، يخدم هدفًا واحدًا:
إزالة إيران من كونها رصيدًا استراتيجيًا للصين.
بكين هي الحاضر الغائب
الصين لا تظهر في البيانات العسكرية، لكنها حاضرة في كل الحسابات:
استثمارات طويلة الأمد في إيران
نفط مضمون خارج المنظومة الغربية
موانئ وبنى تحتية تتجاوز الحكومات
اتفاقيات زمنها أطول من أي إدارة أمريكية
أي مواجهة شاملة مع إيران دون حساب الرد الصيني ستكون مغامرة غير محسوبة. لذلك، تُدار اللعبة ببطء قاتل: إضعاف الدور الإيراني قبل التفكير في إسقاط النظام.
وماذا عن النظام نفسه؟
هنا تكمن المفارقة الكبرى:
إذا سقط الدور، يصبح النظام عبئًا داخليًا قبل أن يكون ورقة خارجية.
نظام بلا وظيفة إقليمية، وبلا قدرة على التوسع، وبلا قيمة مضافة في الصراع الدولي، يتآكل من الداخل تلقائيًا.
لهذا، لا يبدو أن واشنطن مستعجلة على إسقاط النظام،
بل على إفراغه من مضمونه الجيوسياسي.

الحرب على إيران ، إن وقعت لن تكون حرب إسقاط نظام بالمعنى التقليدي،
بل حرب إعادة تموضع عالمي.
الهدف الحقيقي ليس طهران،
بل بكين.
وإيران ليست إلا محطة إجبارية في الطريق إلى الصراع الأكبر.
في زمن الصراعات الكبرى،
لا يُسقطون الأنظمة أولًا،
بل يسقطون أدوارها.

التعليقات معطلة.