لم تعد إيران تعيش احتجاجا عابرا ولا موجة غضب قابلة للاحتواء، بل دخلت مرحلة أخطر وأكثر وضوحا: شارع في مواجهة شارع. هذه ليست مبالغة، بل توصيف دقيق لمشهد يتشكّل أمام أعين العالم؛ حيث يُستدعى الشارع الموالي ليصطدم بالشارع الغاضب، ويُدفع المجتمع إلى انقسام أفقي حاد بدل أن تبقى المواجهة بين شعب وسلطة.
حين يخرج الحرس الثوري داعيا إلى تظاهرات مضادة، فذلك اعتراف غير مباشر بأن أدوات القمع التقليدية لم تعد كافية. السلطة التي كانت تواجه المتظاهرين بالرصاص والسجون، باتت اليوم تبحث عن “غطاء شعب” يحميها، ولو كان مُصطنعا أو مدفوع الأجر أو قائما على الخوف والولاء القسري.
من دولة إلى ساحة صراع
الخطير في مشهد “شارع مقابل شارع” أنه ينقل الأزمة من كونها سياسية إلى كونها مجتمعية. النظام لا يريد فقط إسكات المحتجين، بل يريد تفكيك الإجماع الشعبي ضده، عبر بث سردية قديمة متجددة:
مرة “عملاء الخارج”
مرة “أحوازيون”،
مرة “مخربين”،
والهدف واحد: نزع الصفة الوطنية عن أي احتجاج، وتحويله إلى مؤامرة.
لكن الواقع يقول شيئًا آخر. الشارع الذي يواجه السلطة اليوم هو خليط من قوميات وأديان وطبقات اجتماعية، جمعهم القهر الاقتصادي، وانسداد الأفق، وشعور عميق بأن الدولة لم تعد تمثلهم، بل تستخدمهم وقودًا لبقائها.
فشل سردية المؤامرة
في لحظة “شارع مقابل شارع”، تفقد لغة التخوين فعاليتها. لا يمكن اختزال ملايين الغاضبين في هوية عدو جاهز. حين تعمّ الاحتجاجات المدن والأطراف، المركز والهامش، يصبح السؤال بديهيا:
هل يُعقل أن يكون الجميع أدوات؟
أم أن النظام هو الذي فقد القدرة على قراءة مجتمعه؟
الأنظمة الواثقة لا تحتاج إلى حشد شارع ضد شارع، لأنها تحتكر الشرعية. أما الأنظمة المرتبكة، فتبحث عن صور وكاميرات ولافتات، لتقنع نفسها قبل أن تقنع الخارج بأنها ما زالت تملك قاعدة.
ما بعد المواجهة
إيران اليوم أمام مفترق خطير. استمرار هذا المسار يعني أحد أمرين:
إما انزلاق نحو صدام أهلي محدود تُدار نيرانه من الأعلى،
أو تفكك تدريجي لهيبة السلطة حين يرفض الشارع الموالي أن يكون وقودا لمعركة خاسرة.
المؤكد أن معادلة “الضبط” القديمة لم تعد صالحة. الشارع الذي كسر حاجز الخوف لديه، لن يعود بسهولة. والسلطة التي تستنجد بالشارع، تكون قد دخلت مرحلة الدفاع، مهما ادّعت القوة.
“شارع مقابل شارع” ليست علامة قوة، بل إشارة إنذار أخيرة.
الدول تُدار بالقانون والشرعية، لا بالمواجهة بين أبنائها.
ومن يدفع المجتمع إلى هذا المنزلق، لا يحمي الدولة… بل يغامر بما تبقّى منها .

