إيران وإسرائيل… معركة السيطرة على العرب

6





 

 

لأول مرة منذ سنوات طويلة، تنقلب الصورة بهذا الشكل الصريح: لم يعد الصراع في المنطقة بين العرب وأعدائهم، بل بين إيران وإسرائيل أنفسهما ، مواجهة مفتوحة، لا تحتمل التأويل، عنوانها الحقيقي، من يفرض كلمته على الشرق الأوسط، ومن يُمسك برقبة القرار فيه.

الحرب الدائرة الآن بين طهران وتل أبيب ليست حدثًا عابرًا يمكن احتواؤه أو تدويره سياسيًا كما جرى في مرات سابقة. هذه مواجهة تتصاعد بثقلها الكامل، تُدار بالنار المباشرة حينًا، وبالرسائل الثقيلة حينًا آخر. صواريخ تضرب، وردود تتبعها، ودوائر الاشتباك تتسع ببطء محسوب، لكن بثقة واضحة، كل طرف يختبر حدود الآخر، ويبحث عن لحظة كسر حاسمة.

إيران تدخل هذه المعركة وهي محمّلة برؤية تعتبر المنطقة مجالها الحيوي، لا مجرد ساحة نفوذ. مشروعها لم يعد خافيًا، ولا أدواته. هي لا تقاتل فقط لترد على ضربات، بل لتقول إنها لاعب لا يمكن تجاوزه، وأن حضورها في الإقليم ليس قابلًا للمساومة. في المقابل، إسرائيل تقاتل بعقيدة مختلفة لكنها لا تقل وضوحًا: لا مكان لقوة موازية. أي تهديد محتمل يجب أن يُكسر قبل أن يكتمل، وأي توازن يجب أن يُجهض قبل أن يُفرض.

بين هذين التصورين، تشتعل الحرب. لكن الحقيقة التي لا تحتاج إلى كثير شرح أن هذه المواجهة، رغم أنها تبدو ثنائية، إلا أنها في جوهرها صراع على المنطقة كلها. ليست حرب حدود، بل حرب سيطرة. ليست معركة ردع فقط، بل معركة من يكتب القواعد.

اللافت، وربما الصادم، أن الأرض التي تدور فوقها كل هذه الحسابات ليست إيرانية ولا إسرائيلية فقط، بل عربية بالدرجة الأولى. الأجواء، الممرات، نقاط التماس، وحتى تداعيات الضربات… كلها تمس دولًا عربية بشكل مباشر أو غير مباشر. ومع ذلك، يبقى العرب خارج غرفة القرار، وكأنهم يشاهدون مباراة تُلعب على أرضهم دون أن يكون لهم فريق فيها.

قد يقال إن هذا توصيف قاسٍ، لكنه أقرب إلى الواقع من أي تجميل. لأن ما يجري الآن لا يُدار وفق مصالح الشعوب العربية، بل وفق أولويات القوى المتصارعة. إيران تريد تثبيت نفسها كقوة إقليمية كبرى لا يمكن تجاوزها، وإسرائيل تسعى لإعادة فرض تفوقها المطلق ومنع أي مشروع منافس من الوقوف على قدميه. وبين الاثنين، تُترك المنطقة لتتحمل الكلفة.

الأخطر من ذلك أن هذه الحرب قد لا تبقى ضمن حدودها الحالية. كل المؤشرات تقول إن هناك أطرافًا دولية تراقب وتستعد: الولايات المتحدة تمسك بخيوط كثيرة من الخلف، وبريطانيا تزن خطواتها، وغيرهما يترقب لحظة الدخول أو التأثير. وهذا يعني أن أي خطأ في الحسابات قد يدفع نحو توسع أكبر، يخرج عن السيطرة.

في هذه اللحظة تحديدًا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا عن العرب؟ هل سيبقون في موقع رد الفعل، أم أن هذه الصدمة كافية لإعادة التفكير في موقعهم ودورهم؟

الواقع يقول إن الاستمرار في سياسة الانتظار لم يعد ممكنًا. لأن نتائج هذه الحرب، مهما كانت، ستُفرض على الجميع. إذا تقدمت إيران، سيتغير ميزان النفوذ بشكل جذري. وإذا فرضت إسرائيل معادلتها، فستعود المنطقة إلى صيغة أكثر اختلالًا. في الحالتين، هناك واقع جديد يُكتب… والعرب ليسوا من يكتبونه.

ربما المشكلة الأعمق ليست في قوة الآخرين، بل في غياب مشروع عربي واضح. مشروع لا يكتفي بردود الفعل، بل يحدد المصالح ويضع الخطوط الحمراء ويفرض حضورًا حقيقيًا. بدون ذلك، ستبقى المنطقة مفتوحة لكل من يملك القوة والإرادة، بينما يظل أصحاب الأرض في موقع المتلقي.

هذه الحرب ليست مجرد فصل من فصول الصراع، بل لحظة إعادة تشكيل. لحظة تُكسر فيها توازنات قديمة وتُبنى أخرى جديدة. والسؤال الذي سيبقى بعد أن تهدأ الجبهات ليس من ربح ومن خسر فقط، بل: من كان حاضرًا في صناعة النتيجة، ومن اكتفى بمشاهدتها.

باختصار، ما يجري اليوم بين إيران وإسرائيل هو صراع على من يتسيد المنطقة، لا أكثر ولا أقل. وإذا لم يتحرك العرب لامتلاك قرارهم، فإنهم سيبقون، كما هم الآن، في قلب العاصفة… لكن بلا بوصلة، وبلا تأثير حقيقي.

التعليقات معطلة.