استراتيجية واشنطن في لبنان تتصدع

4


24 ـ طارق العليان

قال الكاتب ألكسندر لانغلويس، الباحث المتخصص في جيوسياسات المشرق وزميل “ديفنس برايوريتز”، إن مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله يكشف أن ما سمي هدنة لم يكن سوى غطاء هش لسياسة القوة الإسرائيلية، التي تعتمدها واشنطن أيضاً تحت شعار السلام عبر القوة.

وأوضح الكاتب لانغلويس في مقال بموقع مجلة “ناشونال إنترست” أن استمرار التوتر وتصاعد التهديدات الإسرائيلية بعودة الحرب يثبت فشل هذه المقاربة، مؤكداً أن الضغط على إسرائيل، وليس لبنان، هو السبيل الوحيد لمنع الانزلاق نحو مواجهة كبرى.

هدنة على الورق
وأضاف الكاتب أن اتفاق نوفمبر 2024 نص على انسحاب إسرائيل وحزب الله من الجنوب، لكن تل أبيب رفضت الانسحاب من خمس نقاط حدودية واستمرت في تنفيذ غارات شبه يومية حتى داخل بيروت الجنوبية، إضافة إلى التوغل في القرى وإسقاط البنى التحتية.

وتابع لانغلويس أن هذا السلوك الإسرائيلي قوض أساس الهدنة، وأظهر بوادر رغبة واضحة في إعادة إشعال الحرب أو الضغط على حكومة لبنان لإجبارها على مواجهة حزب الله – خدمة لأهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وتحالفه اليميني.

مجلس الأمن يدعو للالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان – موقع 24
دعا وفد من مجلس الأمن الدولي، السبت، جميع الأطراف إلى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، مُعرباً في الوقت نفسه عن دعم جهود الدولة اللبنانية لحصر السلاح بيدها، وذلك في ختام زيارة استمرت ليومين.

بين المطرقة والسندان
وأوضح الكاتب أن الجيش اللبناني بدأ بالفعل تعزيز حضوره جنوباً لدعم تنفيذ الاتفاق، لكن الهجمات الإسرائيلية أدت إلى مقتل عدد من جنوده، واستهدفت أيضاً قوات اليونيفيل، مما أعاق المهمة بالكامل.

وهنا يجد لبنان نفسه في وضع شديد الحساسية. فمن جهة، يطالبه الغرب بالتصعيد ضد حزب الله. ومن جهة أخرى، يرفض الحزب وحلفاؤه التعاون مع هذه الضغوط، معتبراً أنها تصب في مصلحة إسرائيل. وقال الكاتب إن هذا الوضع يضع حكومة الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام أمام معادلة خاسرة تهدد الاستقرار الداخلي.

لبنان: حزب الله “خاضع” للقرار الإيراني – موقع 24
أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي أن حزب الله لا يمكنه تسليم سلاحه دون قرار إيراني، مضيفاً أن همّه الحالي هو شراء الوقت، والحفاظ على وجوده الداخلي لاستعادة سلطته لاحقاً.

عذر للسلاح
وأشار لانغلويس إلى أن حزب الله يدرك أنه في موقع أضعف نسبياً، لكنه يرى أن الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يمنحه مبرراً إضافياً للتمسك بسلاحه.

وأضاف الكاتب أن تطورات غزة عززت قناعة الحزب بأن الاستنزاف يمكن أن ينجح، وأن إسرائيل عاجزة عن فرض نزع سلاحه بالقوة. وتابع قائلاً إن دعوات نزع السلاح تصبح سياسياً مستحيلة كلما طال أمد الاحتلال وتوسعت الاعتداءات.

رئيس لبنان وحزب الله منقسمان بشأن المحادثات مع إسرائيل – موقع 24
دافع الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم الجمعة، عن قراره توسيع مفاوضات وقف إطلاق النار مع إسرائيل باعتباره سبيلاً لتجنب مزيد من العنف، لكن زعيم تنظيم حزب الله وصف القرار بأنه “سقطة إضافية”، مما يكشف عن انقسامات في لحظة فاصلة تمر بها البلاد.

جزّ العشب
وأوضح الكاتب أن إسرائيل تعتمد استراتيجية تقوم على تكريس وضع ميداني يتيح لها حرية التصرف العسكرية داخل دول الجوار. وقال إن هذا الأسلوب يذكّر بنمط “جزّ العشب” الذي تنتهجه إسرائيل دورياً في غزة ولبنان، حيث تفضل إدارة النزاع لا حله، لتحقيق مكاسب تكتيكية وتعطيل أي تهديد محتمل على المدى القصير.

وأضاف الكاتب أن إسرائيل تحتل أجزاء من سوريا وتضرب مواقعها بشكل متكرر، مستغلة دعم واشنطن لضبط الإيقاع العسكري والسياسي في الإقليم، وهو ما يعكس نموذجاً متماثلاً في لبنان.

الولايات المتحدة تتوسط في أول محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل – موقع 24
أفاد موقع “أكسيوس”، بأن دبلوماسيين إسرائيليين ولبنانيين عقدوا، أمس الأربعاء، اجتماعاً مباشراً ونادراً في بلدة الناقورة الحدودية، بواسطة الولايات المتحدة، لبحث التعاون في مشاريع اقتصادية تهدف إلى تهدئة الأوضاع في جنوب لبنان.

دعم غير مشروط
وقال الكاتب إن المشكلة الجوهرية تكمن في استمرار الدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ما يمكن تل أبيب من فرض رؤيتها الأحادية على دول المنطقة.

وأضاف أن تسريبات حول توسيع الوجود العسكري الأمريكي في سوريا بالتنسيق مع إسرائيل تظهر رغبة واشنطن في تعزيز الهيمنة الإسرائيلية بدل احتوائها. وتابع بأن هذا النهج يكرر أخطاء الماضي التي أدت إلى انفجارات أمنية كبرى، مثل هجوم 7 أكتوبر وحرب غزة.

مفترق طرق
يرى لانغلويس أن الرئيس ترامب يقف أمام لحظة مفصلية؛ إما أن يمارس ضغوطاً حقيقية على إسرائيل كي تتوقف عن تقويض الهدنة، وإما أن يواصل تبني السياسات التي تُبقي لبنان على حافة الانفجار.

وقال الكاتب إن الاعتقاد بأن إضعاف إيران وحلفائها يسمح بتكرار الاستراتيجية نفسها وتحقيق نتائج مختلفة هو وصفة للفشل، مؤكداً أن استمرار النهج الحالي سيُدخل ملف لبنان ضمن إخفاقات السياسة الأمريكية.

رئيس الحكومة اللبنانية: الوضع الحالي في المنطقة بعيد عن الاستقرار – موقع 24
أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، أن الوضع الحالي في المنطقة لا يزال بعيداً عن السلام والاستقرار، مشيراً إلى أن الاتفاقيات السابقة، بما فيها إعلان وقف الأعمال العدائية الذي تم التوصل إليه قبل عام، تحت رعاية فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لم يلتزم بها من أي طرف حتى الآن.

كبح تل أبيب
وأكد الكاتب ألكسندر لانغلويس في ختام مقاله أن واشنطن لن تنجح في بناء شرق أوسط جديد ما دامت تتجاهل الدور الإسرائيلي في تعطيل الاستقرار. وأضاف أن على ترامب، إذا أراد أن يُعرف بأنه رئيس صنع السلام، أن يستخدم نفوذ بلاده الهائل لضبط السلوك الإسرائيلي، وفتح الباب أمام مقاربة تركز على إنهاء الاحتلال لا تعزيزه.

فالاستمرار في المسار الحالي، كما قال، لن يؤدي إلا إلى تدوين استراتيجية واشنطن في لبنان ضمن صفحات الفشل، في منطقة لم تعد تحتمل مزيداً من المغامرات.

التعليقات معطلة.