زعيم “دولة القانون” ورقة ضغط بين واشنطن وطهران
عطل اجتماعين “حاسمين” للتحالف الشيعي ليبقى المرشح الوحيد
بغداد/ تميم الحسن
تدخّل نوري المالكي، المرشح الوحيد لرئاسة الحكومة، لإلغاء اجتماعين لـ”الإطار التنسيقي” وُصفا بـ”الحاسمين” خلال اليومين الماضيين، بسبب مخاوف الأخير من وجود “نوايا لاستبداله”.
ووصل خلاف “الإطار” ذروته بعد 90 يومًا من “اللف والدوران” – بحسب وصف سياسي شيعي – من دون حسم منصب رئاسة الوزراء.
وصار التحالف الشيعي أمام حلٍّ واحد، هو “انسحاب نوري المالكي” طواعيةً، لأن التحالف “يخاف” الإقدام على تغييره مباشرةً، وفق ما تقوله المصادر.
وكان “الإطار” قد أعلن، مساء الاثنين الماضي، عن اجتماع “مهم” لحل أزمة تشكيل الحكومة، لكنه تأجل إلى إشعار آخر بشكل مفاجئ. ومرّ أكثر من 25 يومًا على تسمية المالكي مرشحًا لرئاسة الحكومة، من دون القدرة على تمريره بفعل الانقسام الشيعي و”فيتو ترامب”.
اجتماعات مؤجلة
كان مساء الأحد الماضي الموعد الأول لاجتماع “الإطار” في منزل همام حمودي، زعيم المجلس الأعلى، الذي يُعد من الفريق الوسطي بين مؤيدي المالكي ومعارضيه. حينها تسربت أنباء عن محاولات لاستبدال الأخير. ويقول سياسي شيعي قريب من أجواء المفاوضات لـ(المدى): “سألتهم مرةً (ويقصد الإطار التنسيقي) لماذا تنتظرون أن يعلن نوري المالكي انسحابه؟ لماذا لا تستبدلونه؟ كانت الإجابة توحي بأنهم يخافون منه! فأجبت: عجيب… كنا نعارض صدام؟!”.
وقبل أسبوعين، طلب المالكي من “الإطار التنسيقي” استبداله، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه “لن ينسحب”.
وقبيل الاجتماع الثاني – الذي نُقل إلى اليوم التالي ثم تأجل مجددًا – تحدثت قيادات في منظمة بدر عن أسماء بديلة محتملة. وقال قيادي في المنظمة لـ(المدى) إنه “لا يوجد بدلاء إلا إذا سحب المالكي ترشيحه”. وتحدث عن مرشحين محتملين، وهم: وزير الصحة صالح الحسناوي، وأبو علي البصري مدير جهاز الأمن الوطني، وحميد الشطري رئيس جهاز المخابرات.
في المقابل، قال عقيل الفتلاوي، المتحدث باسم ائتلاف “دولة القانون”، إن المالكي أوقف مرتين اجتماع التحالف في منزل حمودي، آخرهما مساء الاثنين.
وقدّم الفتلاوي خلال مقابلة تلفزيونية سببًا غريبًا لتعطل الاجتماع، قائلًا: “الإطار ينتظر عودة السفير العراقي من واشنطن!”، وفي مرة ثانية أضاف أن “المالكي كان لديه التزامات شخصية، ولذلك لم يستطع حضور الاجتماع”، الذي تأجل مرتين.
“انتظار واشنطن وطهران”
ويحاول فريق المالكي منذ أيام التواصل مع الإدارة الأميركية لإقناعها بالتراجع عن تحفظها. وكانت أزمة ترشيحه بدأت داخل البيت الشيعي قبل أن يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الخط.
وفي 27 كانون الثاني الماضي، كتب ترامب على منصة Truth Social أن عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة “أمر لا ينبغي السماح به”، معتبرًا أن العراق “انزلق إلى الفقر والفوضى” خلال ولايته.
ويقول السياسي الشيعي الذي طلب عدم كشف اسمه إن “الإطار التنسيقي يلف ويدور وينتظر ما سيجري بين واشنطن وطهران”، في إشارة إلى ربط الحسم الداخلي بمآلات التفاوض الإيراني–الأميركي. وكان من الغريب أن يرسل البرلمان استفسارًا جديدًا إلى المحكمة الاتحادية بخصوص نص المادة 72 (ب) في الدستور، المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية، رغم أن “الاتحادية” كانت قد أكدت سابقًا أنه “لا توجد عقوبات” على التأخير، فيما كان الإطار التنسيقي قد أعلن أنه ينتظر الرد أيضًا!
فسّر مقربون من الإطار التنسيقي وفريق المؤيد للمالكي، مثل عزت الشابندر، هذا الإجراء بأنه “وسيلة جديدة للضغط أو التسلل إلى موقع رئاسة الجمهورية”، في إشارة إلى رغبة محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان السابق وزعيم حزب رئيس البرلمان الحالي، بالحصول على المنصب، الذي وفق الأعراف السياسية من حصة الكرد. ويُعتقد، بحسب ما يُسرب في الأوساط السياسية، أن محمد الحلبوسي يعمل بفريق واحد مع قيس الخزعلي، زعيم “العصائب”، الذي يُعد من أشد المعارضين للمالكي، وقد سافر الأسبوع الماضي إلى إيران للحصول على رفض طهران لترشيح الأخير.
وتشير مصادر لـ(المدى) إلى أن ما يجري هو تأخير متعمد بكل الوسائل لحين انتهاء المفاوضات الإيرانية–الأمريكية، لعلّ إشارات إيجابية تأتي من طهران لصالح المالكي، إذا مالت كفة المفاوضات إلى صالح إيران، رغم تأكيد محللين وسياسيين أن المالكي “مرفوض أمريكيًا” سواء تصالحت إيران أو تحاربت.
وفي ذات السياق، قال وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري إن موقف الولايات المتحدة من نوري المالكي ليس شخصيًا، بل يرتبط برغبتها في حكومة بعيدة عن النفوذ الإيراني، وخالية من ممثلي الفصائل.
وكشف في مقابلة تلفزيونية عن تلويح واشنطن بعقوبات على مؤسسة سومو والبنك المركزي، وعلى تدفقات الدولار، إذا لم يتم الالتزام بالشروط الأمريكية.
وعن زيارة وفد التحالف الشيعي الأسبوع الماضي إلى أربيل، قال زيباري إنهم أبلغوا الوفد بأن “لديكم مشكلة كبيرة اسمها ترامب واسمها الإطار التنسيقي”، مؤكدين أن قرار اختيار رئيس الجمهورية يجب أن يُترك للكرد.
وكان “الإطار التنسيقي” قد حاول تحميل مسؤولية تعطيل تمرير السلطة إلى الكرد، وهو ما نفاه الأخيرون، وقال مستشار مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، لـ(المدى) إنهم ينتظرون اتفاق التحالف الشيعي لتحديد خطواتهم المقبلة.
انقسام ثلاثي داخل “الإطار”
وفي الداخل، عادت التراشقات بين “العصائب” وأنصار نوري المالكي بعد هدنة استمرت ثلاثة أيام.
وذلك بعد صدور تعليقات من “العصائب” بأن المالكي أجرى اتصالين بالرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يهاجمه المالكي بشدة، فيما نفى مكتب زعيم “دولة القانون” هذه الأنباء.
وقال فهد الجبوري، القيادي في “تيار الحكمة” الذي يترأسه عمار الحكيم، والذي يُعد من معارضي المالكي أيضًا: “للأسف يبدو أن الالتزام بالوعود والمواثيق أمر يصعب تحقيقه لدى الجهات التي اعتادت الكذب والتزوير والانقلاب على الاتفاقات”. وأضاف في تغريدة على منصة “إكس”، فيما بدا تعليقًا على عودة التراشق: “هناك من يحاول إعادة التأزيم الإعلامي بين قوى الإطار، لذا نرجو الانتباه والعمل على وأد الفتنة، لأن بعض هذه التجاوزات قد يضطرنا إلى الرد بقوة”. ويوم الجمعة الماضي، أعلنت الأمانة العامة للإطار التنسيقي عن اتفاق بين قوى الإطار لوقف حملات التصعيد الإعلامي بشكل فوري.
ويعود التراشق الإعلامي إلى وصول أنباء لفريق المالكي تفيد باحتمال سحب “الإطار” ترشيحه، بحسب ما قاله محمد العكيلي، قيادي في تحالف “الإعمار والتنمية” الذي يتزعمه رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني.
ويرفض فريق السوداني، المتحالف مع المالكي، الذهاب نحو مرشح تسوية، لأنه بحسب بعض المصادر “سينهي فرصته في العودة إلى السلطة” في حال تم استبعاد المالكي.
وينقسم الإطار التنسيقي بشأن المالكي إلى ثلاث فرق رئيسية:
المؤيدون: وهم السوداني، هادي العامري، ومحسن المندلاوي نائب رئيس البرلمان السابق. المعارضة: وهم قيس الخزعلي، عمار الحكيم، أحمد الأسدي وزير العمل السابق، وحيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق، وجماعة كتاب “الإمام علي” بزعامة شبل الزيدي. الواقفون في الوسط: همام حمودي، أبو آلاء الولائي زعيم “كتائب سيد الشهداء” (حليف المالكي)، حزب الفضيلة المندمج في الائتلاف الأخير، وعامر الفايز رئيس كتلة تصحيح. وكانت (المدى) قد عرضت خريطة داخل الفريقين الرئيسيين: المعارض والمؤيد، والتي أظهرت أن هذه المجاميع منقسمة أيضًا إلى أربع فرق بسبب الطموحات الفردية لكل فريق، ومن ضمنها الفصائل التي تحاول الحصول على موطئ قدم بعد إعلان “نزع السلاح”.
“تدوير الزوايا”
من جهته، أوضح إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي وأستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، لـ(المدى)، أن عدم عقد الاجتماع الأخير للإطار التنسيقي يعكس عدة مؤشرات مهمة:
أولًا، تمسك نوري المالكي بترشيحه لمنصب رئيس الوزراء.
ثانيًا، وجود حالة انقسام داخل الإطار بين طرفين: الرافضين لتحالف المالكي-السوداني وترشيح المالكي، وبين المؤيدين لهذا الترشيح.
ثالثًا، عدم وجود اتفاق أو قدرة على إبلاغ المالكي بضرورة الانسحاب من الترشح، لتدارك الخطوة التي اتخذها الإطار بالأغلبية لترشيحه.
رابعًا، محاولة الإطار تدوير الزوايا باتجاه العودة إلى مرشح من القادة التقليديين، مثل حيدر العبادي أو شخصيات أخرى مثل عدنان الزرفي، أو مصطفى الكاظمي، أو حميد الشطري، أو حتى علي العلاق محافظ البنك المركزي.
خامسًا، يرى الشمري أن عدم وجود رأي إيراني قاطع تجاه تغيير المالكي ساهم في تأجيل الاجتماع، إذ يبدو أن إيران لا تزال تناور لاستخدام العراق كورقة في طاولة المفاوضات في جنيف أو عمان.
“المالكي ورقة ضغط”
وبذلك، أصبح المالكي ورقة تفاوض، ما أدى إلى غياب قرار حاسم بشأن دعمه الكامل لتولي منصب رئيس الوزراء أو دفع الإطار التنسيقي نحو مرشح تسوية، وفق ما يراه الشمري.
وأشار إلى أن الإطار يواجه “مأزقًا مركبًا”، ويفتقر لهامش المناورة السياسية، خصوصًا في ظل “فيتو ترامب”، ليس فقط تجاه المالكي كشخص، بل يشمل أيضًا “منصب رئيس الحكومة”، إضافة إلى تأثيره على باقي قيادات الإطار المرتبطين بإيران، وشكل الحكومة وحقائبها الوزارية، إضافة إلى اشتراطات فك الارتباط مع إيران، وهي خارطة طويلة ومعقدة.
ويرى الشمري أن الإطار لن يتمكن من الموازنة إلا من خلال انتظار نتائج المفاوضات الإيرانية–الأمريكية، التي قد تفضي إلى “تسوية يمكن أن تؤثر على التوازن الداخلي لصالح الإطار”، لكنه يحذر من أن هذا قد يكون “صعبًا”، خصوصًا وأن إدارة ترامب تفصل بين الملفين وتسعى لاستعادة العراق إلى المظلة الأمريكية. ويعتقد أن الخروج من الأزمة قد يتمثل في اختيار “شخصية مستقلة” لرئاسة الوزراء، لا تمتلك ارتباطات مع إيران، وكابينة مستقلة قد يظهرها الإطار للتوازن الداخلي.
لكنه أضاف أن هذا الخيار قد “لا يكون مقبولًا”، خاصة مع مراقبة واشنطن لاختيار الكابينة وامتداداتها، ما يجعل الإطار في مأزق مركب، بلا منطقة رمادية أو ورقة دعم داخلي.
كما حذر من أن أي تراجع إيراني قد لا يضمن حلولًا للأزمة إلا بالاستجابة الكاملة للشروط الأمريكية، وإلا سيكون العراق في مواجهة مباشرة مع ترامب، بما يترتب على ذلك من سيناريوهات متعددة ضد قادة الإطار التنسيقي، قد تمتد آثارها على بعض مؤسسات الدولة
“الإطار” يخشى استبدال المالكي وينتظر انسحابه: عجيب.. كنا نعارض صدام!

التعليقات معطلة.
