التطوير الصناعي وتقلبات الاقتصاد العالمي

1

د. غدير محمد أسيري
يشهد الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة تحديات غير مسبوقة، فرضتها اضطرابات سلاسل الإمداد، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع معدلات التضخم، وتقلبات أسعار الطاقة والمواد الخام، إضافة إلى التحولات المتسارعة في التكنولوجيا وأنماط الإنتاج. وقد كشفت الأزمات العالمية المتعاقبة، وعلى رأسها جائحة كورونا وما تبعتها من أزمات اقتصادية، هشاشة الاعتماد المفرط على الاستيراد، وأعادت الاعتبار للدور المحوري للقطاع الصناعي في حماية الاقتصادات الوطنية، وتعزيز أمنها الاقتصادي. وفي هذا السياق، برز التطوير الصناعي كخيار استراتيجي لا غنى عنه للدول الساعية إلى الاستقرار والنمو المستدام، حيث أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصادات التي تمتلك قاعدة صناعية متطورة هي الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وضمان استمرارية الإنتاج والحفاظ على التوازن الاجتماعي.

انطلاقاً من هذه المعطيات العالمية تبرز دولة الكويت أمام فرصة حقيقية، لتعزيز مسارها التنموي، عبر تسريع وتيرة التطوير الصناعي، بما ينسجم مع أهداف رؤية الكويت 2035 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، فالكويت تمتلك مقومات صناعية واعدة، تشمل بنية تحتية متقدمة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وإمكانات مالية جيدة، وقاعدة بشرية قابلة للتأهيل والتطوير، ويُعد الاستثمار في الصناعات التحويلية المتقدمة، والصناعات البتروكيماوية ذات القيمة المضافة، والصناعات الغذائية والدوائية، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة والتكنولوجيا، مساراً حيوياً لتعزيز الأمن الاقتصادي الوطني، كما يسهم هذا التوجّه في تنشيط القطاع الخاص، وزيادة الصادرات غير النفطية، واستقطاب الاستثمارات النوعية بما يحقق استقراراً مالياً طويل الأمد، ويعزز مكانة الكويت في الاقتصادين الإقليمي والعالمي، ويجعلها أكثر قدرة على التعامل مع تقلبات الأسواق الدولية.

أما على مستوى المواطن، فإن التطوير الصناعي يشكل رافعة تنموية مباشرة تنعكس في توفير فرص عمل نوعية ومستدامة، وتنويع المسارات المهنية، ورفع مستوى الدخل، وتعزيز الاستقرار الوظيفي، إضافة إلى تحسين جودة المنتجات والخدمات المحلية، غير أن هذا التحول يتطلب تحدياً كبيراً، في مقدمته التغير في طبيعة الوظائف، والحاجة إلى مهارات جديدة تواكب الثورة الصناعية الحديثة، ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في التعليم الفني والتقني، وربط مخرجات التعليم باحتياجات القطاع الصناعي، إلى جانب تحديث التشريعات الصناعية، وتسهيل بيئة الأعمال، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بوصفها شريكاً مكملاً للصناعة الكبرى. وان تبني قواعد التحول الرقمي، والالتزام بمعايير الاستدامة البيئية، وتعزيز الشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص، تمثّل ركائز أساسية لضمان تطوير صناعي متوازن وشامل، وبهذا النهج المتكامل، يصبح التطوير الصناعي في الكويت أداة استراتيجية لمواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، ودعامة أساسية للاقتصاد الوطني، ومساراً تنموياً يعزز رفاهية المواطن، ويكرّس استقرار الدولة ومستقبلها.

ودُمتم سالمين،،،

د. غدير محمد أسيري

 

التعليقات معطلة.