الثقافة البيضاء والانتماء السائل

2

مشاري النعيم

الحديث عن أي لقاء فكري يخوض في مسألة الانتماء للمكان والثقافة المحلية والانحرافات التي قد تعتري هذا الانتماء في العصر الحالي نتيجة لتعرض الجيل المعاصر إلى مغذيات ثقافية تجعل من التشبث بثقافة محددة فضلا عن مكان محدد مسألة غير ضرورية. ثقافة الارتباط بالجماعة في الأصل تواجه تحديات كبيرة منذ فترة طويلة، قبل التطور التقني الهائل في وسائل الاتصال، لكن العزلة الفردية الثقافية التي بشرت بها الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي رفعت درجة الشك في جدوى الانتماء وزادت من ضبابية جميع الهويات المحلية. هذه المخاوف يثيرها “زيجمونت باومن” في سلسلة كتبه حول الحداثة السائلة والثقافة السائلة وحتى الهوية السائلة وغيرها وكذلك ما أشار إليه “مارك أوجيه” في كتابه “اللا أمكنة”. هذه المخاوف لها ما يبررها خصوصا عند الجيل الشاب الذي لم يعد يرى في قيمة الانتماء التقليدية تلك الأهمية التي كانت تراها الأجيال السابقة. الخطر القادم يتمثل في “حتمية” تراجع الرابطة المكانية والثقافية المحلية لدى الأجيال القادمة، إذ يبدو أن هذا الأمر لا مفر منه، لكن هل هناك وسائل لمواجهة هذا التعرية المتدرجة للانتماء والهوية المحلية؟

خلال الأيام القليلة الفائتة نظم مركز عبدالله بن إدريس الثقافي ندوة في الأحساء اقتربت كثيرا من هذه القضية الملحة، فهل لا يزال أبناء الأحساء ملتصقين بهويتهم المكانية وثقافتهم المحلية التي عرفوا عنها أم أنه تطورت بعض الانحرافات حول هذا الانتماء؟ بالطبع لا يتوقع أحد أن تجيب أي ندوة عن سؤال معقد مثل هذا، لكن الهدف هو “دق جرس الإنذار” والتنبيه على تطور ثقافة جديدة في جميع أنحاء العالم مرتبطة بالعولمة التي تسعى إلى صناعة عالم متماثل يفتقر إلى الاختلاف والتنوع.

الندوة ركزت على المجتمع الأحسائي، كونه مجتمعا يحمل داخله تنوعا مذهبيا وطائفيا وبالتالي ثقافيا، وحاولت أن تتبين كيف استطاع أن يخلق هذا المجتمع ثقافة متناغمة وشخصية خاصة بالأحساء تستوعب كل هذا التنوع وتخلق بصمتها الخاصة. للوهلة الأولى قد يعتقد الرائي من الخارج لمجتمع الأحساء أنه مكوّن متنافر Heterogenous Society لكنه على مستوى الممارسة والمعايشة هو مجتمع متناغم Homogenous Society فما الذي خلق هذا التناغم، رغم أن هناك طائفتين سنية وشيعية وأربعة مذاهب سنية وآخر جعفري، لكنها كلها منصهرة في بوتقة الثقافة الأحسائية إذ يصعب أن تفرق بين السني والشيعي في الأحساء لأنهما متواجدان بشكل مختلط في التجارة والسكن إلى حد ما وفي المجالس والمناسبات وغيرها. يبدو لي أن الثقافة الأحسائية لا ينطبق عليها مصطلح “ثقافة متسامحة” كونها لم تكن في يوم غير متسامحة وكذلك كما يقول المهندس صادق الرمضان لا ينطبق عليها كلمة “تعايش” بين السنة والشيعة لأنه لم يكن هناك خلاف في يوم من الأيام بينهما. لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد تفاصيل ثقافية متباينة بين جميع الأطياف التي تشكل المجتمع الأحسائي لكنها لم تفسد للود قضية.

في الحقيقة أن هذا التنوع الخلاق كان يصب مباشرة في الانتماء إلى الأحساء، الأرض والثقافة، الجغرافيا كانت بالعمق الكافي الذي مكنها من تشكيل خصائص الإنسان الأحسائي بانفتاحه على الآخر وتقبله للاختلاف والتماهي مع غيرية الآخر وعدم النفور منها. لكن الثابت المتفق عليه، كما ذكر الشيخ سليمان الماجد، هو عدم فرض أي معتقدات على الآخر أو تقبل معتقداته، فنحن نعيش على نفس الأرض ونتطبع بنفس الطباع ونتلون بنفس لون الثقافة التي تجمعنا لكن لكل منا حرية ما يعتقد. السؤال التي اختتمت به الندوة، كما أراه شخصيا، هو إلى أي مدى ستستمر هذه الثقافة، فكل المجتمعات في العالم تواجه تنامي “الثقافة البيضاء” التي ترفض المكان والتقاليد المحلية وتخلق مكانها الافتراضي وتقاليدها الافتراضية؟ هل يستطيع العالم مقاومة تصاعد “الانتماء السائل”، ويحد من سطوة “الثقافة البيضاء”؟ الإجابة الأولى عن هذين السؤالين ستكون “لا”، أي أنه يصعب إيقاف المد الجارف الذي تصنعه التقنية المعاصرة، وأذكر في مطلع الألفية الجديدة أنني كنت أسأل نفسي هل فعلا ستحول الشبكة العنكبوتية والعولمة، المجتمعات البشرية إلى مجتمع واحد بلا لون ولا طعم ولا رائحة؟

كنت أستبعد هذا الاحتمال وإن كنت متشككا في ذلك الوقت، وبعد مرور ربع قرن صرت أرى العالم يندفع إلى الثقافة الواحدة لتصبح الثقافات المحلية مجرد مخيال “عاطفي”، فالحديث عن الأحساء، هل كان من باب العاطفة والتشبث بالخيوط الأخيرة التي قد تبقي هذا المجتمع محافظا على ثقافته وانتماءاته التاريخية أو أنه مع الوقت سيتبني الثقافة البيضاء وسيذوب داخلها مثله مثل باقي المجتمعات التي تتجه إلى تبني مجتمع عالمي يتجاوز المحليات. بالتأكيد هناك مجتمعات أبطأ من غيرها في الانخراط في الثقافة العالمية لأنها تملك جهاز مناعة قويا مقاوما، لكن هل تستطيع عزل نفسها للأبد؟ لنفكر في الجيل القادم، هل سيكون من اهتماماته ما نتحدث عنه اليوم ويقلقنا، أم أنه سيتجاوز كل هذا القلق الذي يساورنا ولا يراه وربما لن يشعر به؟ كل هذه الأسئلة سيجيب عنها الزمن لكن المؤشرات التي نعيشها تؤكد أن مقاومة “الثقافة البيضاء” والحد من سيولة الانتماء تكتنفها صعوبات تصعب معالجتها.

رغم يقيني أن الظواهر الثقافية تصعب معالجتها بشكل فوري ومباشر وتتطلب تفكيرا استشرافيا مبنيا على رؤية تتفهم الحالة التي يعيشها العالم ولا تنكرها، إلا أنني أشاهد كثيرا من المظاهر التي تحاول أن تستخف بما تحدثه التقنيات المعاصرة من تفكيك للثوابت الثقافية دون أن نشعر. حالة الإنكار هذه، والعيش في الأوهام العاطفية، التي تطمئن القلوب لا العقول وتقول لها “نحن بخير” لا يمكن أن تخلق حراكا فكريا يمكن أن يقاوم ويُبطّئ هذا التأثير الجامح الذي تصنعه وستصنعه التقنية. لذلك من الواجب رفع العقال شكرا لمركز ابن إدريس على جرأة الطرح والتصدي لقضايا عميقة ربما يتحسس البعض من محاورتها علنا.

التعليقات معطلة.