من أجل شرق أوسط جديد وعالم جديد
ليست كل الحروب تُخاض لتُحسم، وهذه واحدة من تلك الحروب التي يبدو أن نهايتها ليست مطلوبة أصلا. في الشرق الأوسط، لا تشتعل النيران عبثا، بل تُشعل وتُضبط إيقاعاتها بدقة، لتبقى المنطقة في حالة توتر دائم، أشبه بساحة مفتوحة لإدارة الصراع لا لإنهائه.
هذه المنطقة لم تكن يوما تفصيلًا في الجغرافيا السياسية، بل هي قلبها النابض. هنا تتدفق الطاقة التي تُحرّك العالم، وهنا تمر الممرات التي تُغذّي اقتصاده، ومن هنا تُرسم حدود النفوذ الدولي. لذلك، لم يكن غريبا أن تتحول أزمات الشرق الأوسط إلى أزمات عالمية، ولا أن تصبح حروبه جزءا من لعبة أكبر بكثير من حدوده.
منذ أن وصل الخميني إلى السلطة عام 1979، تغير شكل الصراع. لم تعد المسألة مجرد دولة تسعى إلى نفوذ، بل مشروع أيديولوجي عابر للحدود، أعاد تشكيل المنطقة وفق منطق الصدام لا التعايش. ومع مرور السنوات، تمدد هذا المشروع، واصطدم بمشاريع أخرى، فتحولت المنطقة إلى ساحة اشتباك مفتوح.
لكن ما يجري اليوم يتجاوز الإطار التقليدي. التصعيد ضد إيران لا يمكن فهمه فقط من زاوية دورها الإقليمي، بل من موقعها الجديد ضمن توازنات دولية عالمية، فبعد تحالف طهران مع روسيا والصين. هنا تغيرت القصة، لم تعد إيران مجرد لاعب إقليمي مزعج، بل جزءا من محور يُنظر إليه كتهديد مباشر لهيمنة النظام الدولي القائم.
لهذا، حين يرفع سقف التهديد، فهو لا يخاطب طهران فقط، بل يرسل رسالة أوسع، لا يُسمح بإعادة تشكيل ميزان القوى خارج القواعد المرسومة حسب ما تريده الولايات المتحدة. ومن هنا يأتي منطق “الاحتواء قبل أن يصبح مكلفًا” ، أي إيقاف أي تمدد قبل أن يتحول إلى أمر واقع يصعب تغييره.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن هذه الحروب، في جوهرها، لا يُراد لها أن تنتهي سريعا. استمرارها يخدم توازنات معقدة، يُبقي القوى الإقليمية مستنزفة، ويمنع تشكّل قوة مستقلة، ويُبقي الحاجة قائمة إلى تدخل القوى الكبرى. إنها ليست فوضى عشوائية، بل فوضى مُدارة بعناية.
وهنا تكمن المفارقة القاتلة، الجميع يتحدث عن الاستقرار، لكن أدوات اللعبة تُنتج عكسه تماما. دول تُستنزف، شعوب تُرهق، وصراعات تُرحَّل من جيل إلى آخر دون أفق حقيقي للحل.
ما يتشكل الآن ليس نهاية صراع، بل بداية مرحلة أكثر صراحة وخشونة. المرحلة القادمة ستشهد فرض حدود جديدة بالقوة، وتقليم أظافر المشاريع التي تجاوزت الخطوط المرسومة، وعلى رأسها إيران. لن يكون هناك حسم سريع، بل مسار طويل من الضغط والاستنزاف، يُعاد خلاله رسم موقع كل لاعب في المنطقة. شرق أوسط مختلف يتكوّن بالفعل، لكنه لن يولد من رحم الاستقرار، بل من قلب صراع مفتوح سيستمر، حتى تُفرض معادلة جديدة يرضى بها الكبار قبل الصغار.

