الحرب… تجارة الكبار وخسارة الصغار

12





 

 

واهم من يعتقد أن الحرب خسارة اقتصادية

في كل مرة تلوح فيها طبول الحرب في الأفق، يتسابق كثيرون إلى ترديد العبارة ذاتها: الحرب خسارة اقتصادية كبرى. وقد يبدو هذا القول بديهياً للوهلة الأولى، فالحروب تدمر المدن، وتعطل التجارة، وتستنزف الموارد البشرية والمالية. لكن قراءة أعمق للتاريخ ولحسابات القوى الكبرى تكشف أن هذا التصور، على بساطته، لا يعكس الحقيقة كاملة. بل إن الاعتقاد بأن الحرب مجرد خسارة اقتصادية هو أحد أكثر الأوهام شيوعاً في فهم السياسة الدولية.

فالحروب، بالنسبة للدول الكبرى، ليست مجرد مغامرات عسكرية، بل أدوات لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وموازين القوة. عبر التاريخ، كثيراً ما كانت الحروب بوابة لإعادة توزيع الثروات والأسواق والنفوذ. الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، دمرت أجزاء واسعة من أوروبا وآسيا، لكنها في الوقت نفسه مهّدت لصعود اقتصادي غير مسبوق في الولايات المتحدة، وفتحت الباب أمام مشاريع إعادة إعمار ضخمة أعادت تشغيل عجلة الاقتصاد العالمي وفق ترتيبات جديدة.

الحرب أيضاً تُعيد رسم خريطة الطاقة والموارد. فمن يسيطر على الممرات البحرية، ومن يضمن تدفق النفط والغاز، ومن يتحكم بسلاسل الإمداد العالمية، لا يخوض معاركه بدافع الخسارة، بل بدافع الربح الاستراتيجي طويل الأمد. لذلك فإن كثيراً من الصراعات التي تبدو ظاهرياً سياسية أو أمنية تخفي في جوهرها حسابات اقتصادية دقيقة، تُقاس فيها الأرباح بعقود طويلة لا بسنوات قليلة.

كما أن الصناعات العسكرية نفسها أصبحت أحد أكبر القطاعات الاقتصادية في العالم. فشركات السلاح العملاقة لا تزدهر في أزمنة السلام بقدر ما تزدهر في أزمنة التوتر والحروب. وكل صاروخ يُطلق، وكل منظومة دفاع تُستخدم، تعني عقوداً جديدة، وتحديثات جديدة، وصفقات تسليح بمليارات الدولارات. وهكذا تتحول الحرب، في بعض الأحيان، إلى محرك اقتصادي كامل يدفع عجلة البحث العلمي والتكنولوجي والصناعي.

لكن المفارقة المؤلمة أن الخسارة الاقتصادية الحقيقية لا تقع غالباً على الدول التي تخطط للحروب أو تديرها من بعيد، بل على الدول التي تتحول أراضيها إلى ساحات صراع. فهناك من يربح من الحرب عبر النفوذ والأسواق، وهناك من يدفع ثمنها دماراً وفوضى وديوناً طويلة الأمد.

لهذا، فإن القول بأن الحرب مجرد خسارة اقتصادية هو تبسيط مخلّ لحقيقة أكثر تعقيداً. فالحرب قد تكون كارثة إنسانية بلا شك، لكنها في حسابات السياسة الدولية قد تكون أيضاً استثماراً استراتيجياً، وأداة لإعادة توزيع القوة والثروة في العالم.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحرب خاسرة اقتصادياً أم لا، بل من الذي يخسر… ومن الذي يربح؟ لأن التاريخ يثبت أن نار الحروب قد تحرق أوطاناً كاملة، لكنها في الوقت ذاته تضيء طريق النفوذ والثروة لقوى أخرى تقف خلف المشهد.

التعليقات معطلة.