الحرب على العراق كانت الاستثمار الأول لأحادية القطب الأميركي

9

 

والحرب على إيران ستكون الدرس والتجذير لتلك القطبية

 

منذ نهاية الحرب الباردة، لم تكن الولايات المتحدة تبحث فقط عن خصمٍ بديل، بل عن نموذج عملي يثبت أن العالم دخل فعليًا زمن القطب الواحد، لا نظريًا فحسب. جاءت الحرب على العراق عام 2003 بوصفها الاستثمار الأول في هذا التحول: إسقاط دولة مركزية في الشرق الأوسط، إعادة هندسة نظامها السياسي، والتحكم بإيقاعها الأمني والاقتصادي، في رسالة موجهة للعالم مفادها أن ميزان القوة قد حُسم .

لكن ذلك الاستثمار، رغم كلفته الباهظة، لم يكن خاتمة المشروع، بل بدايته المتعثرة.

العراق: اختبار القوة وحدودها

قدّمت الحرب على العراق لأميركا فرصة نادرة لفرض إرادتها دون شريك دولي مكافئ. غير أن النتائج كشفت سريعًا أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع نظامًا مستقرًا. الفوضى التي أعقبت الغزو، وصعود الفاعلين غير الدولتيين، واتساع النفوذ الإيراني، حوّلت العراق من نموذج يُحتذى إلى درس ناقص في إدارة الأحادية القطبية.

ومع ذلك، ظل العراق ساحة اختبار: للنفوذ، ولإدارة التحالفات، ولتوازن الردع، ولحدود التدخل المباشر. أخفقت واشنطن في تثبيت صورة “الهيمنة النظيفة”، لكنها احتفظت بأدوات السيطرة الأهم: السماء، والاقتصاد، وشبكات التحالف.

إيران: من الاحتواء إلى الحسم

اليوم، تقف إيران في موقع مختلف تمامًا عن العراق 2003. دولة متماسكة نسبيًا، تمتلك شبكة نفوذ إقليمي، وقدرات صاروخية، وبرنامجًا نوويًا يقترب من العتبة الحرجة. لذلك، فإن أي مواجهة معها إن وقعت ،لن تكون استثمارًا أوليًا، بل درسًا نهائيًا.

الرهان الأميركي هنا ليس إسقاط النظام بقدر ما هو تجذير قواعد اللعبة:

لا قوة إقليمية تُسمح لها بكسر سقف الردع.

لا مشروع نووي خارج المظلة الغربية.

ولا تحالفات مع روسيا أو الصين تُترجم نفوذًا عسكريًا فعّالًا في الشرق الأوسط.

إنها محاولة لإعادة تثبيت الأحادية القطبية، لا عبر الاحتلال المباشر، بل عبر ضربات محسوبة، وعقوبات خانقة، وإعادة ترتيب الإقليم من الداخل.

الفرق الجوهري: العالم تغيّر

الفارق بين العراق وإيران لا يكمن فقط في الجغرافيا أو القدرات، بل في السياق الدولي. عالم 2026 ليس عالم 2003. الصين قوة اقتصادية كبرى، وروسيا لاعب عسكري متمرس، وأوروبا أكثر حذرًا. لذلك، فإن أي حرب على إيران ستكون رسالة مزدوجة:

رسالة لطهران مفادها أن كلفة كسر الخطوط الحمراء أعلى من أي مكسب.

ورسالة لبقية العالم بأن واشنطن، رغم كل التحديات، ما زالت قادرة على فرض الإيقاع حين تقرر.

بين الاستثمار والدرس

إذا كانت الحرب على العراق قد مثّلت استثمارا أوليا في مشروع القطب الواحد، فإن الحرب على إيران إن حدثت ، ستكون درسا تأديبيا يهدف إلى ترسيخ هذا المشروع في وعي الخصوم والحلفاء على حد سواء. ليس الهدف احتلال العواصم، بل احتلال القرار، وضبط حدود الطموح الإقليمي .

ويبقى السؤال المفتوح ،

هل تنجح واشنطن هذه المرة في تجذير أحاديتها بأدوات أقل كلفة وأكثر دقة؟

أم أن الدرس الإيراني، مثل الاستثمار العراقي، سيفتح فصلا جديدا من الفوضى، لكن على نطاق أوسع؟ 

الجواب، دائما، لن يُكتب في البيانات… بل في الميدان .

التعليقات معطلة.