الرجل المريض في العراق

2

 

آراء

ساحة التحرير – بغداد (تعبيرية/ مواقع التواصل)

يُنسب إلى القيصر الروسي نيقولا الأول أنه أول من استخدم مصطلح “الرجل المريض في أوروبا” لوصف حال الدولة العثمانية عام 1853.

 

استمرت دول أوروبا الغربية، ولا سيما بريطانيا، في دعم هذه الدولة المريضة وإمدادها بأسباب البقاء لئلا تسقط ردحاً من الزمن، ليس لسواد عيون العثمانيين تحديداً، وإنما خشية أن تسقط بين فكّي الإمبراطورية الروسية الطامعة بالقسطنطينية والأناضول والمضايق المهمّة على البحر المتوسّط.

 

في النهاية، تَقَسَّمَت الدولة العثمانية وتناثرت أجزاؤها، لأن مصير الرجل المريض إمّا أن يُشفى أو يموت. وأول بوادر الشفاء هو الوعي الذاتي بالمرض، وعدم إنكاره، ثم محاولة إيجاد “أسباب واقعية” للعلاج. لكن الاتّكاء على الأجوبة القادمة من الحالة المرضية نفسها لن يقود إلا إلى الإيغال في المرض، والاتجاه نحو النهاية المحتومة.

 

انتهت الدولة العثمانية، ولكن الدولة التركية لم تَمُت، بل وُلِدت من ركام الحرب وتراث القرون العثمانية الوسطى، من خلال وعي النخبة التركية الصاعدة بالضرورات التاريخية الراهنة، وقدرة هذه النخبة على اللعب مع الكبار واستثمار التناقضات الموجودة على الساحة الدولية لمزيد من النفوذ وأوراق التفاوض.

 

فأتاتورك، مثلاً، الأب الراعي لتركيا الحديثة، اتّكأ على روسيا البلشفية، وريثة القيصرية المنتهية، لصدّ الغزو الأوروبي لأراضيه، لكنه قلب ظهر المِجَنّ لحليفه البلشفي ليصافح الغرب، عدوّه السابق، حين شعر بأن رياح المستقبل تذهب باتجاهه.

 

إنّ حالة “الرجل المريض” يمكن أن نعثر على أمثلة لها في تجارب شعوب كثيرة، وفي أنظمة سياسية تتحكّم بها نُخَب لا تنظر إلى الواقع بعينين صحيحتين، أو تستند إلى أخيلة العقائد والأيديولوجيات التي تُحرّف الوقائع وتمنح منظوراً مشوَّهاً للأشياء.

 

من المؤسف أن العراق ونظامه السياسي الجديد ما بعد 2003 كان واعداً، ولكنه ظلّ يتنازل عن وعوده شيئاً فشيئاً حتى وصلنا إلى مرحلة توقّف فيها المحرّك الداخلي للنظام في منتصف الطريق، وصار، منذ الانسحاب الأميركي في 2011، يعيد إنتاج نفسه ووجوهه ومفردات خطابه ذاتها، ويمنع القدرة على تجديد الدماء أو إيصال الخبرات العراقية إلى مراكز القرار.

 

يُفترض بالنظام الديمقراطي أن يتيح الإمكانية لنقل الإرادة الشعبية إلى مراكز السلطة، لكن المنظومة التي تكلّست في منتصف الطريق باتت مشغولة بالتشبّث بالسلطة ومنافعها أكثر من حماية النظام نفسه ومحاولة تدعيم شرعيته، حتى وصلنا إلى حالٍ تبدو فيه أطراف هذه المنظومة عاجزة عن حماية البلد والدفاع عن مصالح مواطنيه.

 

لا أتذكّر إن كانت صورة “الرجل المريض” حاضرة في ذهني حين كتبتُ روايتي “باب الطباشير”، لكن الرواية تصف شخصاً يدخل في غيبوبة طويلة عقب تظاهرات 2011 في بغداد، ويبقى مأسوراً بالانتقال ما بين العوالم، وفي كلّ عالمٍ يعيش فيه يجد أن الطرق مسدودة، لأن الحلّ الذي كان ممتنعاً يتطلّب تغيير السلطة، ولكن السلطة التي تدافع عن نفسها، حتى وإن كان بإراقة دماء شعبها، لم تكن لتتغيّر بسهولة.

 

رجل السلطة المريض ما زال، خلال أكثر من عقد، جاثماً في مراكز القرار في بغداد، لا هو بالميّت، ولا هو قادر على اكتساب وعيٍ جديد، أكثر واقعية وعمليّة، لإيجاد العلاج لنفسه وللبَلَد برمّته.

 

تظهر أحياناً على مواقع التواصل مقاطع فيديو من خطاب لرئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، يصف فيه الوضع المرضي الذي يعيش فيه العراق، وكيف أن تحكّم الميليشيات ليس ثمناً للتخلّص من داعش الإرهابية، وأنهما كلاهما من الصنف ذاته، ويمثّلان تهديداً واحداً لمستقبل البلد واستقراره وتطوّره.

 

المؤسف أن خطاب العبادي كان مجرّد ومضة لوعيٍ ذاتي صريح وواقعي، سرعان ما غطس تحت سيلان الأحداث، ولم يُؤسّس لفعلٍ جدّي وحقيقي لاحق.

 

استمرت حالة الرجل المريض في الدولة العثمانية حوالي نصف قرن، وكم هو مخيف ومحزن أن نتخيّل حاجتنا إلى زمن مشابه كي نرى إمكانية ظهور وضعٍ جديد، أكثر صحّة من الحال التي يعيش فيها البلد اليوم.

التعليقات معطلة.