الجزء الثاني
كيف صُنع النظام الإيراني عام 1979؟
لم يكن قيام النظام الإيراني عام 1979 حدثا محليا معزولا، ولا مجرد ثورة داخلية أطاحت بالشاه، بل جاء نتيجة توازنات دولية معقدة فرضتها ظروف الحرب الباردة، حين كانت القوى الكبرى تعيد رسم خرائط النفوذ في العالم وفق منطق الصراع بين الشرق والغرب.
لفهم الصدام القائم اليوم بين واشنطن وطهران، لا بد من العودة إلى تلك اللحظة التأسيسية، حيث تشكل النظام الإيراني في سياق دولي محدد، وأُنيط به دور وظيفي ضمن معادلة استراتيجية أوسع .
الحرب الباردة وصراع النفوذ العالمي
في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان العالم يعيش ذروة التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وكان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى يمثلان ساحة حاسمة في هذا الصراع، نظرا لموقعهما الجغرافي وثرواتهما الاستراتيجية.
جاء الحدث الأخطر آنذاك مع قيام نظام شيوعي في أفغانستان المجاورة لإيران، نتيجة احتلال موسكو لها ، ما أثار مخاوف جدية لدى الغرب من امتداد النفوذ السوفيتي إلى إيران، الدولة المحورية في المنطقة والغنية بالموارد النفطية .
كان سقوط إيران في الفلك السوفيتي سيعني تحولا جذريا في ميزان القوى العالمي، وهو ما اعتبرته القوى الغربية تهديدا لا يمكن القبول به .
الثورة الإيرانية وخطر البديل اليساري
رغم أن الثورة ضد نظام الشاه حملت طابعا شعبيا واسعا، فإنها لم تكن حكرا على التيار الديني، بل شاركت فيها قوى سياسية متعددة، من بينها تيارات يسارية وقومية وتنظيمات راديكالية كانت تمتلك حضورا وتأثيرا واضحين داخل الشارع الإيراني.
وكانت هذه القوى تمثل، في نظر الغرب، خطرا استراتيجيا حقيقيا، إذ كان من الممكن أن تقود الثورة إلى قيام نظام شيوعي أو قريب من المعسكر السوفيتي، على غرار التجربة الأفغانية .
من هنا برز خيار دعم صعود القيادة الدينية باعتباره البديل الأكثر قدرة على منع الانزلاق نحو الشيوعية .
الخميني والدور الوظيفي
في هذا السياق، جاء صعود آية الله الخميني إلى السلطة بوصفه خيارا يحقق توازنا دقيقا: نظام ذو طابع ديني معادٍ للشيوعية، قادر على احتواء المد اليساري، وفي الوقت ذاته لا يشكل تهديدا مباشرا للنظام الدولي القائم .
لقد أدى النظام الإيراني في بداياته وظيفة واضحة في المعادلة الدولية: منع التمدد السوفيتي، والحفاظ على توازن إقليمي ضمن حدود مرسومة.
وبهذا المعنى، لم يكن قيام النظام مجرد انتصار ثوري داخلي، بل كان أيضا نتاج توافقات ضمنية فرضتها ظروف الصراع الدولي آنذاك.
معادلة الاستقرار المشروط
خلال السنوات الأولى، قامت العلاقة بين النظام الإيراني والمجتمع الدولي على أساس معادلة غير معلنة: بقاء النظام مقابل الالتزام بدور محدد في التوازنات الإقليمية وعدم تجاوز خطوط استراتيجية معينة.
وقد وفرت هذه المعادلة للنظام الإيراني فرصة ترسيخ سلطته داخليًا، وبناء مؤسساته، وتعزيز حضوره السياسي والعسكري.
غير أن هذه المعادلة لم تبقَ ثابتة .
من التأسيس إلى التحول
مع انتهاء الحرب الباردة وتغير موازين القوى العالمية، بدأ النظام الإيراني تدريجيا في إعادة تعريف دوره الإقليمي، متجها نحو توسيع نفوذه خارج حدوده، وبناء أدوات قوة مستقلة، وتبني مشروع سياسي يتجاوز الإطار الذي نشأ ضمنه.
وهنا بدأت ملامح التحول التي ستقود لاحقًا إلى الصدام الذي يشهده العالم اليوم .
إن فهم نشأة النظام الإيراني عام 1979 يكشف أن جذور الأزمة الحالية لا تعود إلى خلافات ظرفية، بل إلى تحولات عميقة في الدور الذي أُنشئ النظام لأدائه ثم تجاوزه لاحقا. فالتاريخ هنا ليس خلفية للأحداث، بل مفتاح تفسيرها .
تابوعنا غدا في الجزء الثالث : من الدور الوظيفي إلى المشروع التوسعي

