الجزء الخامس
لماذا لا تستطيع إيران الرضوخ؟
إذا كانت الولايات المتحدة ترى في المواجهة ضرورة استراتيجية لحماية توازنات النظام الدولي، فإن السؤال المقابل لا يقل أهمية: هل تمتلك إيران أصلًا خيار الرضوخ؟ أم أن طبيعة النظام ذاته تجعل التراجع شبه مستحيل؟
ففهم سلوك الدول لا يكتمل دون فهم دوافعها الداخلية وبنية نظامها السياسي، حيث لا تتحرك القرارات الكبرى وفق حسابات خارجية فقط، بل وفق اعتبارات البقاء والشرعية والهوية.
شرعية النظام قائمة على المواجهة
منذ تأسيسه عام 1979، بنى النظام الإيراني شرعيته السياسية على فكرة مركزية: مقاومة الهيمنة الخارجية ورفض الضغوط الدولية. وقد تحولت هذه الفكرة إلى أحد أعمدة الخطاب السياسي الرسمي ومصدر رئيسي لتماسك النظام داخليا.
التراجع أمام الضغوط الخارجية لا يُقرأ داخل هذا الإطار باعتباره خيارا سياسيا، بل يُفسَّر كتنازل يمس جوهر الشرعية التي قام عليها النظام. لذلك، فإن الرضوخ الكامل قد يحمل للنظام مخاطر داخلية تتجاوز كلفة المواجهة نفسها.
العقيدة السياسية وحدود المرونة
لا يقوم النظام الإيراني على بنية سياسية تقليدية فقط، بل على عقيدة أيديولوجية ترى في الاستقلال السياسي ورفض الهيمنة الخارجية جزءا من هويتها الأساسية.
هذه العقيدة تضع حدودا صارمة للمرونة السياسية، وتضيق هامش المناورة أمام القيادة، حيث يصبح التراجع الجذري تحولًا في الهوية لا مجرد تغيير في السياسات.
ومن هنا، فإن القرارات الكبرى لا تُقاس فقط بموازين الربح والخسارة، بل بمدى توافقها مع الأسس الفكرية التي يقوم عليها النظام.
شبكة النفوذ كأداة بقاء
على مدى عقود، استثمرت إيران في بناء شبكة نفوذ إقليمية واسعة، شكلت جزءا أساسيا من استراتيجيتها الدفاعية والهجومية في آن واحد. هذه الشبكة لا تمثل مجرد سياسة خارجية، بل أصبحت أحد أدوات بقاء النظام وتعزيز موقعه التفاوضي.
التخلي عن هذه المنظومة يعني خسارة أدوات القوة التي راكمها النظام عبر سنوات طويلة، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف موقعه داخليا وخارجيا بصورة يصعب تعويضها.
ولهذا، فإن الرضوخ لا يعني تغيير سلوك محدود، بل تفكيك منظومة نفوذ كاملة.
كلفة التراجع ومخاطر الداخل
التراجع الاستراتيجي يحمل دائما كلفة سياسية داخلية. ففي الأنظمة ذات البنية الأيديولوجية، قد يُفسر التراجع بوصفه ضعفا، ما يفتح الباب أمام تحديات داخلية وصراعات على الشرعية.
ومن هذا المنظور، قد ترى القيادة الإيرانية أن المواجهة رغم مخاطرها أقل خطرا من الرضوخ الي يردي الى اهتزاز الداخل وفقدان تماسك النظام.
وهنا يصبح خيار المواجهة مرتبطا بحسابات البقاء السياسي، لا فقط بالمواجهة مع الخارج.
معادلة البقاء أو الصدام
في ضوء هذه العوامل، تتشكل معادلة معقدة:
الولايات المتحدة ترى أن التراجع عن مواجهة إيران يهدد توازن النظام الدولي، وإيران ترى أن الرضوخ يهدد بقاء نظامها نفسه.
وعندما تتعارض حسابات البقاء لدى طرفين متقابلين، تضيق مساحة التسوية إلى حد كبير، ويصبح الصدام احتمالا أقرب من التفاهم .
إن فهم دوافع النظام الإيراني الداخلية يكشف أن خيار الرضوخ ليس قرارا تقنيا يمكن اتخاذه بسهولة، بل معادلة وجودية تمس شرعية النظام وهويته وأدوات بقائه. ولهذا، فإن انسداد خيارات التراجع من جهة، وإصرار الضغوط من جهة أخرى، يدفعان الصراع نحو مسار تصاعدي يصعب احتواؤه.
تابعونا غدا مع الجزء السادس: لحظة المواجهة: كيف ستبدو وما انعكاساتها على المنطقة؟

