ساعد الثبيتي
«السايكودراما» لا ترتبط فقط بالمصحات والعلاج النفسي، فهي وإن كانت من أهم الفنيات التي يستخدمها الأطباء والمعالجون النفسيون إلا أنها باتت من أدوات التربويين في المؤسسات التعليمية، والمخططين للبرامج المجتمعية التي تعنى بمعالجة مشكلات المجتمع وتعديل سلوكيات الشباب، التي يُنظر إليها في كثير من الأحيان بأنها مزعجة، على رغم إمكان استثمارها وتوجيهها وتوظيف إمكانات ومواهب أصحابها للإسهام في صناعة حالة من الفرح، بدلاً من حالة القلق التي يشعر بها من يشاهد تلك السلوكيات والمواقف الفردية بعيداً عن الانضباطية والتقنين.
فظاهرة التفحيط غير مقبولة اجتماعياً ليس لمخاطرها فحسب؛ بل لأنها ارتبطت بشريحة من الشباب الذين يُنظر إليهم دائماً نظرة سلبية، ومع ذلك فهي على الواقع هواية محببة لكثير من الشباب سواء على مستوى الممارسة أم الاستمتاع بالمشاهدة، أما في العوالم الافتراضية فالتفحيط لعبة محببة للصغار والكبار على حد سواء، من خلال الألعاب الإلكترونية التي يمارس هواتها كل أنواع التصرفات التي لا يمكن ممارستها على أرض الواقع من تفحيط وسلوكيات قتالية ونحوه.
الحديث ليس عن تلك الممارسات الافتراضية ومخاطرها، وإنما عن أهمية توظيف «السايكودراما» في المؤسسات الداعمة للمجتمع كالهيئة العامة للترفيه، لمعالجة مشكلاته والحد من التصرفات غير المرغوبة بطرق مختلفة، والهيئة في حلتها الجديدة أطلقت الأسبوع الماضي حزمة من الأنشطة غير المسبوقة، التي حملت مؤشرات إيجابية على أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة احتضان للمواهب، وتوظف «السايكودراما» في معالجة مشكلات الشباب، فالألعاب الحركية والارتجالية والمشاهد الكوميدية التي يصنعها الشباب بإمكانات محدودة والمواهب ينبغي أن تستثمر في تعديل السلوك، لما فيها من إطلاق العنان للمشاعر الإيجابية التلقائية، واكتشاف المهارات والخبرات الوجدانية التي يتعامل من خلالها الفرد بطبيعته مع المواقف الحياتية المختلفة.
إن السلوكيات الترفيهية ليست بدعاً في المجتمع، فالشباب اليوم يصنعون الفرح من خلال العديد من المواقف الكوميدية والترفيهية بإمكانات بسيطة جداً، ويبثونها إلى العالم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه الظواهر والسلوكيات التي تظهر في مجتمعاتنا للأسف الشديد لا نلتفت لها، مع أنها ذات دلالات مهمة، ويمكن التعاطي معها وتوظيفها بشكل مختلف، فهؤلاء الشباب الذين يقومون بأدوار كوميدية يتناقلها الركبان هم حالة صحية، وهذا ستكون له نتائج إيجابية متمثلة في التخفيف من السلوكيات غير المرغوبة، فالتفحيط هواية جاذبة للشباب وحالة من حالات التنفيس يجب ألا يتم التعامل معها كمشكلة، وهذا ما أدركته الهيئة العامة للترفيه، التي قررت أن تُمارس هذه الهواية بانضباطية وتحت إشراف الجهات المختصة، ومتى ما تحقق هذا ستجدون جميع شرائح المجتمع تقف على منصات حلبات التفحيط لتستمع بإبداعات الموهوبين في هذا المجال بأمان تام، ولعل بقية الظواهر المزعجة تجد العناية والتوجيه الصحيح لتكون هوايات رسمية تمارس في النور.
من عهدة الراوي:
المسؤولية العلمية والاجتماعية للجامعات والمؤسسات البحثية تحتّم عليها دعم المؤسسات المجتمعية بالأبحاث العلمية ونتائجها، وهناك اليوم حاجة ماسة إلى تفعيل هذا الدور بالتعاون مع الهيئة العامة للترفيه لدراسة وتحليل تصرفات الشباب وسلوكياتهم التي أفرزها التطور المجتمعي والثورة التقنية، ومعرفة احتياجاتهم؛ فالظواهر غير المألوفة يجب التعامل معها كظاهرة صحية نتيجة مستجدات الحياة وإخضاعها للبحث والدراسة، ليكون الحكم عليها والتعامل معها من منطلقات علمية.

