من طهران إلى موسكو: تشابه السقوط الكبير
ليس من المبالغة القول إن ما يعيشه النظام الإيراني اليوم، ومعه ما يُسمّى بمحور “المقاومة”، يشبه إلى حد بعيد اللحظات الأخيرة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك حلف وارسو. فالتاريخ لا يكرر نفسه حرفيا، لكنه يعيد إنتاج أنماطه حين تتشابه الأسباب وتتكامل عوامل السقوط.
أيديولوجيا منهكة بلا جاذبية
كما فقدت الشيوعية السوفيتية قدرتها على إقناع شعوب أوروبا الشرقية بجدواها، يفقد خطاب “الولي الفقيه” اليوم بريقه داخل إيران نفسها قبل محيطها. الأيديولوجيا التي قامت على فكرة “الثورة الدائمة” تحولت إلى عبء اقتصادي وأمني، واستُنزفت في تبرير القمع الداخلي وتصدير الأزمات للخارج، تماما كما تحولت الشيوعية من وعد بالخلاص إلى منظومة تبرر الفشل.
اقتصاد ينهار من الداخل
الاتحاد السوفيتي لم يُهزم عسكريا، بل انهار اقتصاديا. إيران اليوم تسير على المسار ذاته: عقوبات خانقة، عملة متآكلة، فجوة طبقية تتسع، ونظام عاجز عن تلبية الحد الأدنى من تطلعات شعبه. الإنفاق على الأذرع الخارجية يشبه إلى حد بعيد استنزاف موسكو لمواردها في دعم أنظمة وحركات تدور في فلكها، بينما الداخل يختنق.
حلف هش قائم على الإكراه لا القناعة
حلف وارسو لم يكن تحالفا طوعيا، بل شبكة دول أُجبرت على البقاء بالقوة. ومحور إيران الإقليمي اليوم لا يقوم على قناعة الشعوب، بل على السلاح والمال والفراغات السياسية. وحين تتغير موازين القوة أو تنسحب المظلة الحامية، تتفكك هذه الشبكات بسرعة مذهلة، كما حدث في أوروبا الشرقية أواخر الثمانينيات.
مركز مأزوم وأطراف تتساقط
عندما بدأ المركز السوفيتي يضعف، انهارت الأطراف تباعا. واليوم، كل تصدع داخلي في طهران ينعكس مباشرة على أذرعها في الإقليم. الفصائل التي بُنيت على فكرة “الدعم الدائم” تواجه واقعا جديدا: مركز أقل قدرة، وأكثر حذرا، وأشد انكشافا دوليا.
العالم تغيّر… والمعادلة سقطت
اللحظة الفارقة في انهيار الاتحاد السوفيتي كانت إدراك العالم أن المعادلة القديمة لم تعد صالحة. اليوم، تتغير البيئة الدولية والإقليمية بوتيرة متسارعة، ولم يعد النظام الإيراني عنصر استقرار في أي معادلة، بل عبئا عليها. كما لم تنفع موسكو ترسانتها النووية في إنقاذ نظامها، لن تنفع طهران صواريخها ولا أذرعها في إيقاف مسار التفكك .
ما نراه اليوم ليس حدثا تقليديا، بل مسار تاريخي مكتمل الأركان. انهيار النظام الإيراني ومحوره ليس سؤال “هل”، بل سؤال “متى” و”كيف”. وكما سقط جدار برلين فجأة بعد سنوات من التصدعات الصامتة، قد تأتي لحظة السقوط من حيث لا يتوقع أصحاب النظام انفسهم .
لم تسقط برلين لأن الجدار انهار، بل لأن المعادلة التي حمت الجدار سقطت، فإن بغداد لن تستعيد دورها بتغيير الوجوه، بل بزوال المعادلة التي صادرت قرارها. وحين تتغير تلك المعادلة، سيكتشف الجميع أن المدن لا تُحتل طويلا… بل تُؤجل حريتها فقط.
التاريخ علمنا درسا واضحا ان الأنظمة التي تقوم على الأيديولوجيا المغلقة، والقمع، وتصدير الأزمات، قد تصمد طويلا… لكنها حين تسقط، تسقط دفعة واحدة .

