السلام والحرب للبيع عند ترامب

6

 

 

لم يعد تصريح دونالد ترامب: “لم يعد السلام يهمني” قابلاً مناورات داخلية. فالرجل حسم أمره، وهو اليوم رئيس الولايات المتحدة، لا مرشحاً يسعى للأصوات، ولا سياسياً يبحث عن ولاية جديدة. الصدمة هنا أعمق وأخطر: صدمة رجل اكتشف أن طريقه إلى جائزة نوبل للسلام قد أُغلق، فاختار أن يعلن القطيعة مع فكرة السلام ذاتها.

عند ترامب، لم يكن السلام قيمة أخلاقية أو التزاماً إنسانياً، بل وسيلة اعتراف دولي، وشهادة تقدير شخصية، وجائزة تُضاف إلى سجله الذاتي. وحين تبيّن له أن هذا الطريق لا يمر عبر أوسلو، انقلب المنطق رأساً على عقب: إذا لم يمنحني السلام الجائزة، فالحرب أولى به.

هذا هو جوهر العقلية الترامبية: السلام مشروط بالمكافأة، والحرب رد فعل على الحرمان. لا عقيدة استراتيجية، ولا رؤية طويلة الأمد، بل علاقة مباشرة بين الفعل السياسي والمردود الرمزي. نوبل هنا ليست مجرد جائزة، بل مرآة نرجسية كُسرت، فانكسر معها الخطاب كله.

تصريح ترامب لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت رسمياً عن السلام، لكنه يكشف أن أعلى هرم القرار بات يتعامل مع الحرب كخيار مشروع حين لا تتحقق المكاسب المعنوية. وهذا تحول خطير في فلسفة القيادة العالمية: من إدارة الأزمات إلى معاقبة العالم لأنه لم يصفّق.

في هذا السياق، تصبح الحروب أدوات تعبير عن الغضب السياسي، لا عن الضرورة الأمنية. التصعيد ليس رسالة ردع، بل رسالة احتجاج. والعالم، من الشرق الأوسط إلى آسيا وأوروبا الشرقية، يدرك أن المرحلة المقبلة قد تشهد قرارات قاسية لا تُبنى على توازنات المصالح بقدر ما تُبنى على مزاج السلطة.

الخطير في مقولة ترامب أنها تُسقط آخر أوراق التوت عن الخطاب الأخلاقي الغربي. فإذا كان السلام مرهوناً بجائزة، فإن الحرب تصبح وسيلة ضغط مشروعة. وإذا كان الاعتراف الدولي شرطاً للتهدئة، فإن تجاهله قد يشعل الجبهات.

هنا لا يعود السؤال: لماذا قال ترامب ما قاله؟ بل: ماذا يعني أن يقود العالم رجل يرى في السلام صفقة خاسرة إن لم تُكافأ، ويرى في الحرب بديلاً معقولاً عند خيبة الأمل؟

إنها لحظة كاشفة في السياسة الدولية: حين يصبح السلام امتيازاً شخصياً، لا حقاً إنسانياً، وتتحول الحروب من مآسٍ يجب تجنبها إلى رسائل غضب تُرسل إلى العالم. عند ترامب، المسألة واضحة وبلا مواربة: إمّا الجائزة… أو الحرب.

التعليقات معطلة.