اتهامات لـ”الدعم السريع” بإنتاج “الكبتاغون” في المنطقة الصناعية الجديدة بالخرطوم بحري واستخدامها لتحفيز عناصرها في المعارك
عثمان الأسباط صحفي سوداني
تمكنت الاستخبارات العامة والجيش السوداني وهيئة أمن ولاية الخرطوم من ضبط أكبر مصانع تصنيع حبوب “الكبتاغون” المخدرة (أ ف ب)
ملخص
في فبراير الماضي تمكن جهاز الاستخبارات العامة بالتعاون مع الجيش السوداني وهيئة أمن ولاية الخرطوم من ضبط أكبر مصانع تصنيع حبوب “الكبتاغون” المخدرة، أُخفي داخل مبنى تحت التشييد يضم ثلاثة طوابق في المنطقة الصناعية الجديدة ببحري.
يبدو أن السودان في طريقه ليكون دولة موطن ومركز لتصنيع وتهريب وتجارة المخدرات بعدما كان دولة عبور بحكم حدوده المفتوحة، على رغم جهود المكافحة والحماية على المنافذ الحدودية البرية والبحرية، وكذلك الضبطيات الكبيرة على أيدي الأجهزة الأمنية المختلفة، لكن دفعت حال الفوضى والسيولة الأمنية التي رافقت الحرب، وكذلك نفوذ قوات “الدعم السريع” إلى انتعاش تجارة المخدرات للاستفادة منها في تمويل النزاع وتجنيد المقاتلين.
واتهم جهاز الاستخبارات العامة السوداني قوات “الدعم السريع” بملكية مصنع تصنيع حبوب “الكبتاغون” المخدرة في المنطقة الصناعية الجديدة بالخرطوم بحري، واستخدام المخدرات التي ينتجها في تحفيز عناصرها في المعارك والسيطرة عليهم، إلى جانب ترويجها وسط المدنيين بغرض تمويل أنشطتها وتهريب الفائض إلى خارج البلاد، وبخاصة لدول الجوار.
وفي فبراير (شباط) الماضي تمكن جهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع الجيش وهيئة أمن ولاية الخرطوم من ضبط أكبر مصانع تصنيع حبوب “الكبتاغون” المخدرة، أُخفي داخل مبنى تحت التشييد يضم ثلاثة طوابق في المنطقة الصناعية الجديدة ببحري، قرب مصنع للدقيق بمنطقة الجيلي شمال العاصمة.
وتصل قدرة الإنتاج إلى 100 ألف حبة في الساعة، مما يجعله أحد أخطر مصانع المخدرات المضبوطة، بحسب الإدارة المتخصصة بجهاز الاستخبارات العامة، كذلك ضبطت كميات كبيرة من المواد الخام المستخدمة تكفي لإنتاج 700 مليون حبة “كبتاغون”، وتصل قيمة المواد المضبوطة إلى نحو ثلاثة ملايين دولار، وفق جهاز الاستخبارات.
ارتباط وثيق
في السياق قال المتخصص في إدارة الأزمات والتفاوض اللواء أمين إسماعيل مجذوب إن “مخدرات (الكبتاغون) وأصنافاً أخرى دخلت السودان منذ فترة طويلة، وكانت هناك حملات مستمرة أسفرت عن اعتقال عشرات المتورطين، منهم أجانب من دول عربية تسللوا إلى البلاد بسبب الحروب في لبنان وسوريا والعراق قبل أكثر من 10 سنوات، وجرى ضبط عدد من المصانع التقليدية في ولاية الخرطوم وإقليم دارفور”.
وأضاف “ارتباط المخدرات بقوات (الدعم السريع) ناتج من العادات والتقاليد لدى أفراد تلك القوات، وكذلك ميولهم لتعاطي المخدرات من أجل تحفيز عناصرها في المعارك، إضافة إلى التقليد فيما بينهم لعملية التعاطي، فضلاً عن توافر الأموال لديهم بخاصة الرواتب، والانتقال للعمل في اليمن أسهم في تزايد الاستخدام والتعاطي والانتشار والترويج”.
AFP__20221103__32KW7GZ__v2__MidRes__LebanonSyriaConflictCorruptionCrimeDrugsCaptagon.jpg
قوات “الدعم السريع” استفادت من فوضى الصراع المسلح في توسيع أنشطتها التجارية في إنتاج وتوزيع المخدرات (أ ف ب)
وأوضح مجذوب أنه “في عام 2022 اعتقلت السلطات مجموعات تتبع لـ(الدعم السريع) تنشط في تجارة المخدرات، وعلى أثر ذلك جرى إعفاء الجنود من الخدمة العسكرية، وبعد اندلاع الحرب باتت المناطق التي سيطرت عليها تلك القوات في العاصمة الخرطوم وبعض الولايات تنشط فيها عمليات التعاطي والترويج وتجارة المخدرات”. وأردف، “حتى الآن لا توجد أدلة على وجود تجارة منظمة للمخدرات من قبل قيادة ’الدعم السريع’، ولكنها موجودة لدى الجنود والأفراد، ونستطيع القول إن هناك قادة ميدانيين يعملون كمجموعات لإدخال الكبتاغون وغيره من الأنواع والأصناف في إطار تجارة ربحية بدلاً من التعاطي”.
ومضى المتخصص في إدارة الأزمات والتفاوض في القول، “الأخطر من التجارة مشاركة مجموعات من الأجانب إلى جانب قوات الدعم السريع في الحرب من جنسيات عدة، ومن ثم فإن التصنيع والاتجار بالمخدرات يجري بطرق متخصصة من أفراد لديهم علاقة وثيقة بهذه الأعمال منذ أعوام طويلة، فضلاً عن اتجاه بعض العاملين في المنظمات للترويج وتسهيل دخول هذه المخدرات”. وزاد “حتى الآن نشاط المخدرات ينحصر في مناطق سيطرة قوات (الدعم السريع)، ووسط الأفراد، أما بقية المناطق والمدن في السودان بحسب سجلات الشرطة فإن نسبة التعاطي متدنية، وكذلك تنعدم التجارة الربحية نتيجة ظروف الحرب وانعدام الأموال، إضافة إلى تشديد الرقابة الأمنية على المنافذ الحدودية البرية والجوية والبحرية”.
شبكات منظمة
على الصعيد نفسه أوضح المتخصص في دراسات المكافحة والحقوق الصادق بخيت أن “حال السيولة الأمنية وغياب الشرطة وانشغال الجيش بالعمليات العسكرية أسباب أسهمت في تسهيل أنشطة تصنيع وتجارة وتهريب المخدرات إلى الخارج والترويج في الداخل”. وأشار إلى أن “تداعيات الحرب وعدم إحكام الرقابة الصارمة على الحدود الطويلة والمنافذ المتعددة سهل من مهمة إمكان تعاون شبكات أجنبية إقليمية ودولية مع شبكات داخلية في تهريب المخدرات إلى الخارج”.
AFP__20250119__36UN2Y8__v1__MidRes__SyriaConflictDrugsCaptagon.jpg
لا توجد أدلة على وجود تجارة منظمة للمخدرات من قبل قيادة “الدعم السريع”، ولكنها موجودة لدى الجنود والأفراد (أ ف ب)
ونوه بخيت بأن “المجموعات والحركات المسلحة معروف عنها في كل أنحاء العالم أنها تعتمد بالدرجة الأولى في تمويل أنشطتها على الدعم الخارجي وتهريب وتصنيع وتجارة المخدرات، لذلك ظلت دائماً هي المتهم الأول في نشر هذه السموم، وقد أضفى ذلك تطوراً جديداً هو الأخطر كون تصنيع وتهريب المخدرات وعصاباته باتت تحت حماية قوة السلاح”.
ولفت المتخصص في دراسات المكافحة والحقوق إلى أن “قوات (الدعم السريع) استفادت من فوضى الصراع المسلح في توسيع أنشطتها التجارية في إنتاج وتوزيع المخدرات، من خلال بعض مصانع إنتاج حبوب (الكبتاغون) المكتشفة في الخرطوم بحري التي تزعم السلطات ملكيتها لتلك القوات”.
توفير المعينات
على نحو متصل قال المدير العام لقوات الشرطة السودانية الفريق أول أمير عبدالمنعم فضل إن “مكافحة المخدرات وتفكيك الشبكات الإجرامية يعدان أحد أوجه معركة ’الكرامة’ ويعززان من الأدوار المتعاظمة لقوات الشرطة”. وكشف عن “تورط عناصر من قوات (الدعم السريع) في تهريب وترويج المخدرات خلال عدوانها على البلاد بغرض إضعاف فئة الشباب والزج بهم في عالم الإدمان”. وأكد عزم رئاسة الشرطة على توفير معينات العمل كافة للإدارات الشرطية من أجل حفظ أمن واستقرار البلاد”.
خطط أمنية
من جانبه أوضح مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في السودان اللواء شرطة محمد أحمد الأمين أن “إدارته وضعت خططاً أمنية محكمة للقضاء على المخدرات وقطع الطريق على الشبكات الإجرامية المتخصصة في ممارسة هذا النشاط الذي يستهدف القوة البشرية المنتجة وإضعاف مقدرات الشباب الذين تعول عليهم الدولة كثيراً في دفع عجلة الإنتاج والنهوض بالاقتصاد الوطني”.
اقرأ المزيد
ما تأثير تصنيف ترمب على “الإخوان” في السودان؟
كيف تأثر السودانيون بصدمة مجازر الحرب؟
الجوارح تهجر سماء السودان مما ينذر بانهيار بيئي وصحي
موسم الزراعة السوداني… غزارة الإنتاج “تضرب” الأسواق
ونوه بأن الخطط ترتكز على تكوين فرق ميدانية فنية متخصصة من الإدارة بالتنسيق مع إدارات مكافحة المخدرات بالولايات للقضاء على الجريمة وتضيق الخناق على الشبكات الإجرامية الضالعة فيها والقضاء على أنشطتها الخارجة عن القانون”.
وأشار الأمين إلى أن “إدارته جاهزة لدك جميع أوكار المهربين على مستوى ولايات البلاد، ومنع التجار من إدخال وتهريب المخدرات ومحاربة الجريمة العابرة للحدود بالتنسيق مع المنظمات الدولية والجهات المختصصة”.
زراعة “البنقو”
في ولايات دارفور ومع استمرار الحرب تمددت زراعة القنب الهندي، المعروف محلياً بـ”البنقو”، حتى أصبحت أحد أكثر الأنشطة نمواً في الإقليم، متحولة من ممارسة هامشية إلى اقتصاد مُوازٍ حتى باتت الكميات المزروعة وفق مصادر محلية، تصل أحياناً إلى 50 طناً.
ودخلت بحسب تقديرات ميدانية غير رسمية، في دائرة التمويل المحتملة لأطراف متورطة في النزاع، سواء عبر فرض الإتاوات على المزارعين، أم عبر شبكات نقل وتوزيع تمتد من داخل السودان إلى خارجه، وباتت خطوط البيع تتراوح بين مسارات داخلية تتخفى وسط النزوح والفوضى، ومسارات خارجية تستفيد من ثغرات الحدود المفتوحة مع تشاد وأفريقيا الوسطى، إذ تتداخل تجارة السلاح مع التهريب وتبادل المصالح.
ويحظى المروجون والمتعاطون بنوع من القوة اكتسبوها من عدم الملاحقة، والفوضى الأمنية في المنطقة، بل أيضاً من حيث التحول اللافت لبعض تجار المخدرات إلى منضوين في القوات المسيطرة، يمارسون تجارتهم تحت حماية السلاح، فازدهرت تجارة “البنقو” على نحو غير مسبوق.

