الشرايين الجديدة للقوة

3

 

 

الكابلات البحرية تمثل ساحة المعركة الخفية للقرن الـ21

 

لين كواك

 

 

 

 

 

 

سفينة روسية مشتبه في ضلوعها بتخريب كابل بحري، أثناء توقف في ميناء ترومسو بالنرويج، يناير 2025 (رويترز)

 

ملخص

أصبحت الكابلات البحرية، التي تنقل معظم بيانات العالم، محور صراع جيوسياسي خفي يتسم بالتخريب والمراقبة والعرقلة التنظيمية، في وقت يعجز فيه الإطار القانوني الدولي عن حمايتها، مما يفرض إنشاء هندسة عالمية جديدة تربط الجهود الوطنية والإقليمية والدولية والقطاع الخاص لتحديث القوانين، وتعزيز الردع، وضمان أمن أعماق البحار.

 

في عام 1893، عقب عقود عدة تلت إرساء أول كابل بحري عابر للمحيط الأطلسي، نشر الشاعر والكاتب البريطاني روديارد كيبلينغ قصيدة عن عجائب “كابلات أعماق البحار”. وفيما غدت الاتصالات آنذاك شبه فورية بين ضفتي الأطلسي، احتفى كيبلينغ بترابط لم يكن من الممكن تخيله سابقاً، قائلاً، ” فلنغد واحداً”.

 

بعد أكثر من قرن، حلت الكابلات الليفية الضوئية محل خطوط تليغراف، لكن وعدها التوحيدي تلاشى تقريباً. فقد أصبح قاع البحر ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، ولأعمال التخريب، ولعمليات المراقبة. وتنقل هذه الكابلات 99 في المئة من حركة البيانات الرقمية العابرة للمحيطات، بما في ذلك التدفقات المالية والاتصالات الحكومية والدبلوماسية والعسكرية. ومع تزايد الأخطار وتآكل الثقة، يتجه العالم نحو شبكات كابلات منقسمة إلى كتل تقودها الولايات المتحدة أو الصين أو دول غير منحازة، إذ باتت المسارات ومحطات الربط البرية تعكس عمليات الاصطفاف الجيوسياسية أكثر من المنطق التجاري.

 

تبدو هشاشة البنية التحتية البحرية الحيوية أكثر وضوحاً في أوروبا. فقد لفتت تفجيرات خط أنابيب الغاز “نورد ستريم” في بحر البلطيق في سبتمبر (أيلول) 2022 انتباه العالم إلى هذه الأخطار. وأظهرت الحوادث اللاحقة في البلطيق، بما في ذلك أضرار عزتها التحقيقات إلى سفينة مرتبطة بالصين، كيف يمكن لجهات من منطقة ما أن تهدد بنية تحتية في منطقة أخرى. كذلك أدت زيادة نشاط السفن والغواصات على طول طرق الأطلسي والبلطيق إلى تصاعد المخاوف في شأن المراقبة تحت البحر، مع قيام الخصوم برسم خرائط مسارات الكابلات الحيوية ومراقبتها.

 

وتواجه آسيا أخطاراً مماثلة، حتى لو حظيت باهتمام أقل. إذ تسجل تايوان ما بين سبعة وثمانية انقطاعات في الكابلات سنوياً، يرتبط معظمها بالصين، وذلك في إطار حملة الضغط الأوسع التي تمارسها بكين على الجزيرة. وفي مارس (آذار) الماضي، كشفت بكين عن قاطع كابلات أعماق البحار يقال إنه متوافق مع المركبات غير المأهولة وقادر على قطع الكابلات على أعماق تتجاوز 13 ألف قدم (أكثر من 4 آلاف متر)، أي ضعف العمق التشغيلي لأنظمة الاتصالات البحرية، لكن على رغم تزايد الحوادث وتنامي القدرة على التدخل، تجد الدول صعوبة في إسناد المسؤولية عن قطع الكابلات إلى جهات محددة ومحاسبة المسؤولين الفعليين.

 

اقرأ المزيد

 

قطع الكابلات البحرية يثير “مخاوف الفوضى” في بريطانيا

 

حرب الكابلات البحرية تهدد أعصاب العالم

 

الكابلات البحرية… شرايين العالم المعلوماتية

 

ما مستقبل أصول الصين في فنزويلا بعد رحيل مادورو؟

 

مستقبل الديمقراطية في جنوب آسيا

تتفاقم هذه الأخطار بسبب تحد بيروقراطي غالباً ما يتغافل عنه والمتمثل باستخدام الضغوط القانونية والتنظيمية لمنع أو تأخير أو تعقيد عمليات مسح الكابلات وتركيبها وصيانتها. ففي بحر الصين الجنوبي، ساعدت هذه الأساليب الصين على توسيع سيطرتها الفعلية على قاع البحر. وقد بدأت بعض الشركات بإعادة توجيه مسارات الكابلات بعيداً من المناطق المتنازع عليها بدلاً من مواجهة مطالبات الصين.

 

وعلى رغم تصاعد أهمية الكابلات البحرية، فإن التشريعات والمؤسسات التي تتحكم بها لم تسر مع ذلك الإيقاع. وقد أعدت الأحكام المتضمنة في “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار” (1982) لحقبة سابقة وهي تستند إلى اتفاقية عام 1884 لحماية كابلات تليغراف البحرية، التي وقعها ملوك عصر كيبلينغ [1865-1936]. إن تأمين الشرايين الحيوية البحرية للعالم يتطلب بنية عالمية شاملة تربط الجهود الوطنية والإقليمية بالجهود الدولية، وتعمل على تحديث الإطارين القانوني والمؤسسي.

 

وتقف الولايات المتحدة في موضع متفرد لقيادة تلك الجهود. وعلى رغم تحديها محاولات بكين السيطرة على مياه بحر الصين الجنوبي، وتنفيذها عمليات هدفت إلى ضمان حرية الملاحة فيها، فإن الولايات المتحدة تغاضت عن قيعان ذلك البحر. وإذا استمر ذلك الإهمال، فإن واشنطن تخاطر بفقدان السيطرة ليس فقط على شرايين الاتصالات والطاقة تحت المياه، بل أيضاً على ميزان القوى فوقها.

 

اتفاقية قانون البحار تحت الخطر

تضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار مجموعة معينة من الحريات الأساسية. ويعطي لكل دولة سيادة تمتد 12 ميلاً بحرياً في مياه البحار الإقليمية الملامسة لسواحلها. لكن خارج هذا الحد، تتمتع جميع الدول بحرية مد الكابلات وصيانتها وإصلاحها، بما في ذلك داخل المناطق الاقتصادية الخالصة والرفوف القارية – وهي الامتداد المغمور بالمياه لإقليم الدولة البري. وتحمي الاتفاقية بصورة صريحة عمليات إرساء ونشر وصيانة الكابلات البحرية على الرفوف القارية، وتنص على أن الدول الساحلية “يفترض ألا تعوق” تلك النشاطات، مقابل حقها في اتخاذ “إجراءات منطقية” في ما يتصل بتطوير المصادر والسيطرة على التلوث. وعلى رغم أن الولايات المتحدة غير موقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإنها تتعامل مع أحكامه باعتبارها تعبر عن القانون الدولي المتعارف عليه، وتشكل أيضاً التفسير المرجعي للقوانين المتصلة بالكابلات البحرية، إضافة إلى “ميثاق 1884” الأضيق نطاقاً من الميثاق الأممي، لكنه يبقى معاهدة رسمية تنطبق على الدول غير المنضوية تحت الميثاق الدولي.

 

وفي المقابل، لا يتوافق التنفيذ المحلي لـ”اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”، مع اشتراطاتها بالذات. ومثلاً، على رغم أن الصين صدقت على الاتفاقية، فإن “الأحكام القانونية [الصينية] لعام 1989 المتحكمة بتمديد كابلات والأنابيب أعماق البحار” تتعارض بصورة مباشرة مع الاتفاقية لأنها تفرض على الشركات الأجنبية الحصول على موافقة لعبور الجرف القاري الصيني، وكذلك الحال بالنسبة إلى أعمال الصيانة أو الإصلاح.

 

ويعاني الإطار القانوني المنظم للكابلات البحرية عيوباً هيكلية. فكثيراً ما تجد الدول صعوبة في محاسبة المتسببين في إلحاق أضرار متعمدة بالكابلات البحرية، نظراً إلى قيود الولاية القضائية في الاتفاقية، وضعف إنفاذ دولة العلم، وصعوبة إسناد الحوادث إلى جهات محددة. فإذا وقع حادثة خارج المياه الإقليمية لدولة ساحلية، فإن دولة العلم – أي الدولة التي سجلت فيها السفينة المشتبه فيها – هي وحدها التي تملك الولاية للتحقيق ومقاضاة المتسببين في الضرر. لكن كثيراً من السفن التجارية مسجلة في دول لا تملك الإرادة أو القدرة على اتخاذ إجراءات. وقد ظهر هذا بوضوح في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما أسقطت محكمة فنلندية تهم التخريب ضد طاقم السفينة “إيغل أس” Eagle S، وهي ناقلة مرتبطة بروسيا يشتبه في أنها قطعت خمسة كابلات حيوية في بحر البلطيق، وذلك لأسباب تتعلق بالاختصاص، لأن الحادثة وقعت خارج المياه الإقليمية لفنلندا. ولم تباشر دولة العلم، جزر كوك، أي إجراءات.

 

وحتى عندما تتوفر الإرادة والقدرة على الملاحقة القانونية، يبقى نجاح الإدانة بعيد المنال. فعملية الإسناد – أي ربط الضرر بسفينة أو طاقم محدد – غالباً ما تكون صعبة، ومحاسبة الدولة الراعية أصعب، لأنها تتطلب إثبات أن الفعل نفذ بناءً على تعليمات الدولة أو تحت سيطرتها على السفينة أو الطاقم.

 

وتصلح تجربة تايوان لإبراز مدى صعوبة ذلك الإسناد. فعلى رغم تكثيف المراقبة استجابة لتكرار أضرار الكابلات، فلم تحقق تايوان أول إدانة ناجحة إلا الصيف الماضي، عندما حكم على قبطان صيني لسفينة ترفع علم توغو بالسجن ثلاثة أعوام بعد إدانته بتعمد إتلاف كابلات اتصالات بحرية على بعد خمسة أميال بحرية من ساحل تايوان.

 

وينقسم المتخصصون أيضاً حول ما إذا كان يمكن مقاضاة تخريب الكابلات باعتباره قرصنة أو إرهاباً أو حتى استخداماً للقوة أو هجوماً مسلحاً، وهي تصنيفات قد توفر أسساً بديلة للتحرك القانوني. وفي الوقت نفسه تدخل المركبات غير المأهولة طبقة إضافية من التعقيد، إذ ليس واضحاً، على سبيل المثال، ما إذا كانت تعد “سفناً” ومن ثم تفعل التزامات دولة العلم، كذلك فإن غياب الطاقم يزيد من صعوبة مسألة الإسناد المعقدة أصلاً.

 

وتحوي اتفاقية قانون البحار ثغرات يمكن للدول استغلالها بسهولة. فاختصاص الدولة الساحلية بحماية البيئة البحرية في منطقتها الاقتصادية الخالصة يسمح لها بفرض تقييمات للأثر البيئي، مما قد يؤدي إلى تأخير لا نهائي لأعمال تمديد الكابلات. وعلى الجرف القاري، تملك الدول الحق في اتخاذ “إجراءات منطقية” لحماية مصادرها البحرية وهو ما قد يعرقل أو يؤخر أو يقيد عمليات مد الكابلات وصيانتها وإصلاحها. وبما أن الكابل الواحد غالباً ما يعبر مناطق بحرية متعددة وولايات قضائية مختلفة، تتعدد فرص العرقلة.

 

وتخفي الطبيعة الروتينية لهذه العرقلة البيروقراطية عواقبها البعيدة المدى. فقد أدت اعتراضات الصين وتعقيدات التصاريح إلى تأخير “كابل جنوب شرقي آسيا–اليابان 2” لأكثر من عام قبل إطلاقه في يوليو (تموز) الماضي، كذلك أدت هذه التحديات إلى ردع مشاريع أخرى. وتشير المناقشات الأخيرة في المنطقة حول الربط الكهربائي البحري – الذي يعد أساساً لأمن الطاقة – إلى أن الحكومات باتت تختار تجنب بحر الصين الجنوبي تماماً بدلاً من طلب إذن من الصين. وكانت الأنظمة المرتبطة بالولايات المتحدة، مثل “آبريكوت” Apricot و”إيكو” Echo، مصممة أصلاً لعبور بحر الصين الجنوبي، لكنها أعيد تصميمها لتجنبه، مما أضاف مسافة وكلفاً إضافية وسط مخاوف من تأخيرات التصاريح والأخطار الأمنية المرتبطة بالعمل ضمن مساحات بحرية متنازع عليها مع الصين.

 

أما السبل القانونية المتاحة بموجب اتفاقية قانون البحار فهي غالباً غير عملية. إذ يتعين على مالكي الكابلات من القطاع الخاص الاعتماد على حكوماتهم للتحرك. لكن نظام تسوية النزاعات بين الدول في الاتفاقية بطيء، ومحدود في الحالات التي تنطبق فيها الاستثناءات، ومحفوف بالتعقيدات السياسية. وحتى اليوم، لم تتقدم أي دولة بقضية بموجب الاتفاقية تتعلق حصراً بالتدخل في الكابلات البحرية.

 

وتفاقم الفجوات المؤسسية هذه المشكلات. فاللجنة الدولية لحماية الكابلات – وهي رابطة صناعية تمثل مالكي ومشغلي الكابلات البحرية حول العالم – تركز على التوصيات التقنية الخاصة بتركيب الكابلات وحمايتها وصيانتها. أما الاتحاد الدولي للاتصالات، وهو وكالة أممية متخصصة في التقنيات الرقمية ومسؤولة عن وضع المعايير التقنية، فقد أنشأ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 هيئة استشارية لتعزيز مرونة الكابلات البحرية لمدة عامين. ولا تمتلك أي من المؤسستين تفويضاً للتحقيق في التخريب، أو إسناد المسؤولية، أو فرض العواقب، أو التوسط في النزاعات بين الدول أو بين الشركات والدول. إن معالجة هذه الفجوات القانونية والمؤسسية ليست مسألة شكلية أو إجراء بيروقراطياً، بل هي ضرورة استراتيجية للولايات المتحدة وشركائها.

 

حماية مجزأة

يتزايد الوعي بالثغرات التي تواجه البنية التحتية الحيوية للكابلات البحرية، لكن الاستجابات الوطنية والإقليمية تختلف اختلافاً كبيراً في طموحها ونطاقها. ففي عام 2025، اعتمدت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية قواعد صارمة لتأمين المنافذ البرية للكابلات البحرية، وتقييد وصول المنافسين الأجانب إليها. وقدم الكونغرس الأميركي مشاريع قوانين، من بينها قانون “السيطرة على الكابلات البحرية” الذي يهدف إلى منع الخصوم الأجانب من الحصول على المواد اللازمة لبناء مشاريع الكابلات البحرية أو صيانتها أو تشغيلها، وقانون “مبادرة تعزيز مرونة كابلات تايوان البحرية” الذي يوجه الحكومة الأميركية للعمل مع تايوان وشركائها لتحسين المراقبة والاستجابة السريعة والتنسيق لتعزيز أمن كابلات الاتصالات البحرية الخاصة بتايوان. ومن اتفاق “الشراكة في مرونة الكابلات وترابطها” الذي وقعته أطراف التحالف الرباعي الدولي المعروف باسم “كواد” Quad تعمل واشنطن مع الحلفاء والشركاء على مواءمة معايير الاستثمار والأمن للأنظمة الموثوقة في الكابلات البحرية.

 

وسجلت أوروبا أعلى مستوى في الاستجابة على المستوى الإقليمي. فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي خطة عمل تتضمن إجراءات لمنع وردع واكتشاف والتعامل مع الأعمال التي تستهدف الكابلات البحرية، إضافة إلى إصلاح أي أضرار. وتشجع الخطة استخدام تقنية “سمارت” SMART (المراقبة العلمية والاتصالات الموثوقة)، التي تزود كابلات البيانات بأجهزة استشعار، على رغم أن استخدامها لا يزال محدوداً بسبب مخاوف تتعلق بالسيادة أو احتمال اختراق هذه الأجهزة. وأنشأ الناتو خلية تنسيق ومركزاً بحرياً مخصصاً لأمن البنية التحتية تحت البحر، وزادت من الدوريات الجوية والبحرية في بحر الشمال والبلطيق، وأطلقت مبادرات مثل “هايست” HEIST لاكتشاف أضرار الكابلات وإعادة توجيه البيانات عبر الأقمار الاصطناعية.

 

وفي آسيا، لا يزال التعاون الإقليمي في شأن أمن الكابلات البحرية في مراحله الأولى، على رغم أنه يشهد تطوراً. وحتى وقت قريب، كانت رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) تنظر إلى البنية التحتية البحرية الحيوية من منظور اقتصادي أكثر منه أمنياً. وقد أصدرت الرابطة إرشادات لتبسيط تصاريح الإصلاح وشكلت فريق عمل لتنسيق أعمال الصيانة والإصلاح. لكن هذا النهج بدأ يتغير في أكتوبر، عندما اعتمد وزراء دفاع آسيان مبادئ للتعاون الدفاعي تتعلق بحماية البنية التحتية الحيوية تحت الماء.

 

وعلى المستوى العالمي، يتزايد الزخم حول بيان مشترك في شأن أمن واستدامة كابلات الاتصالات والبيانات البحرية، الذي صدر في نيويورك خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2024. وقد حظي البيان في البداية بتأييد 15 دولة والاتحاد الأوروبي، ثم ارتفع العدد إلى أكثر من 30 دولة، بما في ذلك دول مجموعة السبع كاملة وجميع دول الشمال والبلطيق. وعلى رغم أن هذه المبادئ غير ملزمة، فإنها ترسخ معايير مثل إعطاء الأولوية لسلاسل توريد “آمنة وشفافة”، ما يستبعد فعلياً الموردين ذوي الأخطار العالية، وتشجيع “تنويع المسارات” لتقليل الأخطار عند تعرض كابلات الاتصالات والبيانات للتهديد.

 

وعلى رغم أهمية هذه الجهود الوطنية والإقليمية والمتعددة الأطراف، فلا يزال العالم يفتقر إلى أنظمة دولية للمراقبة المستمرة للتهديدات وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى بروتوكولات مشتركة للتحقيقات، والإسناد، والاستجابات السياسية المنسقة. كذلك يجعل التفتت الجيوسياسي المتزايد سد هذه الثغرات أكثر صعوبة وأكثر كلفة إذا تركت من دون معالجة. ومن شأن التدريبات المنتظمة المتعددة الأطراف على اختبار إجراءات التصدي للأزمات، أن تقوي الردع، وكذلك الآليات التي تسرع إصدار الأذونات وعمليات ترميم الأعطال إلى جانب إصلاح الإطار القانوني والمؤسسي الدولي.

 

نظام جديد للبنية التحتية البحرية

إن إنشاء هندسة عالمية شاملة تربط بين القانون الدولي والمؤسسات والعمليات بحيث يعزز كل منها الآخر، من شأنه أن يقوي النظام القائم على القواعد في أعماق البحار. وستكون الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من مثل هذا النظام: فاقتصادها وأمنها يعتمدان على شبكات بيانات واسعة، وحلفاؤها يعتمدون بصورة كبيرة على كابلات البيانات والكهرباء، فيما يستغل خصومها الثغرات القانونية. وعلى رغم أن بعض الاستراتيجيين يجادلون سراً بضرورة الإبقاء على الغموض القانوني حتى تتمكن الولايات المتحدة من الرد بالمثل، فإن هذا النهج سيؤدي إلى تطبيع الردود الانتقامية المتبادلة وتقويض النظام العالمي الذي يخدم المصالح الأميركية.

 

يتطلب تحقيق مثل هذه الهندسة قيادة مستدامة لتنسيق الجهود الوطنية والإقليمية والدولية وجهود القطاع الخاص. ونظراً إلى امتدادها العالمي، وشبكة تحالفاتها، وقدرتها على جمع الأطراف، فإن الولايات المتحدة في موقع مناسب للاضطلاع بدور تمكيني في بناء هيكل أمني أكثر تماسكاً لقاع البحار. داخلياً، يعني ذلك توفير توجيه استراتيجي لأمن الكابلات البحرية واستدامتها، والتعامل معها كبنية تحتية استراتيجية لا مجرد أصول تجارية، ومواءمة الأهداف الدفاعية والدبلوماسية والتجارية والتنظيمية، وتعزيز التنسيق بين الوكالات. أما خارجياً، فيشمل العمل مع الحلفاء والشركاء والقطاع الصناعي لربط التدابير الوطنية والأطر الإقليمية والمبادرات الدولية وعمليات القطاع الخاص في نظام أكثر تكاملاً، حتى مع بقاء الولايات المتحدة خارج اتفاقية قانون البحار. وسيعتمد ما إذا كانت واشنطن ستختار ممارسة هذا الدور القيادي في النهاية على الإرادة السياسية.

 

وعلى المستوى التشغيلي، تتطلب هذه الهندسة تنسيقاً أوثق للدوريات المشتركة في الممرات الحيوية للكابلات البحرية، بما في ذلك بحر الصين الجنوبي ومضيق “لوزون” في الفيليبين. كذلك تتطلب توافقاً أكبر في شأن إجراءات إصلاح الكابلات، خصوصاً في ما يتعلق بتسريع تصاريح الإصلاح الطارئ، وتأمين وصول سفن الإصلاح، وتنسيق السلطات أثناء الحوادث.

 

عمال يعملون على مد كابل بحري في آمانزيمتوتي، جنوب أفريقيا، فبراير 2023 (رويترز)

 

وبما أن معظم الكابلات البحرية الدولية مملوكة ومشغلة من القطاع الخاص – غالباً من خلال اتحادات تضم شركات اتصالات ومزودي خدمات سحابية – فإن الشراكات بين القطاعين العام والخاص ضرورية. وعلى رغم عدم وجود شراكة دائمة تركز على الأمن مخصصة للكابلات البحرية، فيمكن للحكومات تكييف نماذج تعزيز استدامة شبكات الاتصالات البرية وآليات الإبلاغ عن الحوادث السيبرانية لإنشاء أنظمة مشتركة لمعلومات التهديدات، والإبلاغ عن الحوادث، والاستجابة للطوارئ. حالياً، يجري تقصي الاختلالات عادة داخلياً من قبل المشغلين والإبلاغ عنها بشكل طوعي وغير منظم، من دون وجود معيار مشترك لما يعد نشاطاً مريباً، أو متى يجب إخطار السلطات، أو كيفية مشاركة المعلومات عبر الحدود. ومن شأن وضع قوانين أكثر وضوحاً عن تشارك المعلومات في شأن النشاطات المشبوهة والاختلالات في الشبكات أن يفضي إلى تعزيز الاكتشاف المبكر للتدخلات أو أعمال المراقبة التي قد تستهدف أنظمة الكابلات البحرية.

 

ويجب أن تعمل الشراكات بين القطاعين العام والخاص على تحديد المسؤوليات بشكل أكثر وضوحاً عبر توكيل معلن للالتزامات إلى الشركات الخاصة أو ائتلافات منها، التي تتولى تشغيل منظومات الكابلات البحرية. ويجب أن تشمل تلك المسؤوليات تنويع ممرات الكابلات ونقاط مخارجها البرية، بهدف تقليل حالات الفشل لكل نقطة على حدة، مما يقلص تأثير الاضطرابات. ويجب أن يترافق ذلك مع إرساء معايير أساسية تتعلق بمحطات الربط الأرضية للكابلات البحرية، لمعالجة الثغرات في هذه المواقع الحيوية ولكن سهلة الوصول نسبياً.

 

وثمة تصاعد للإقرار بأن المحطات الأرضية للكابلات البحرية تندرج ضمن البنية التحتية الحيوية، إلا أن إنشاءها وتشغيلها لا يزالان ينظمان غالباً باعتبارهما شؤوناً تجارية، مع توزيع مسؤوليات الأمن بين جهات عدة وتفاوت كبير في معايير الحماية المادية والرقمية. ومن شأن اعتماد معايير أساسية موحدة أن يساعد على تقليص أخطار التدخل والمراقبة في نقاط الوصول هذه.

 

تأثير الشبكة

سيعتمد التقدم نحو هندسة عالمية شاملة أيضاً على تعزيز الروابط الإقليمية وعبر الإقليمية. ويمكن للأطر الإقليمية الأكثر تقدماً أن تعمل كـنماذج رائدة يمكن توسيعها لاحقاً أو ربطها على المستوى العالمي. وسيسهم إطار أقوى لرابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في حوكمة واستدامة الكابلات البحرية في دعم حرية وانفتاح منطقة المحيطين الهندي والهادئ، من خلال توفير غطاء سياسي وقوة جماعية في مواجهة الادعاءات المفرطة بالاختصاص القضائي.

 

ويمكن لـ”آسيان” أن تستلهم عناصر من النظام التنظيمي للاتحاد الأوروبي لتطوير “دليل قواعد” خاص بها لحوكمة الكابلات البحرية وتعزيز استدامتها. وقد يشمل ذلك إجراءات ترخيص أكثر شفافية، وإرشادات أوضح تنظم الرسوم والالتزامات وتوزيع الكلف عبر الولايات القضائية المختلفة، بما يحد من هامش التقدير التنظيمي على المستوى الوطني، ويقلل من التأخيرات التعسفية وعمليات العرقلة، ويمنح المشغلين قدراً أكبر من اليقين، ويعزز الجدوى التجارية للمشروعات، ويمتن الصمود الجماعي في مواجهة الضغوط التنظيمية الخارجية.

 

كذلك يمكن لميثاق آسيان–الاتحاد الأوروبي لحوكمة الكابلات واستدامتها أن يساعد في تخفيف مقاومة النزعات القومية التي قد تنتصب في وجه مبادرة إقليمية خالصة تنهض بها “آسيان” وحدها، في حين قد تحفز المساعدة التقنية والتمويل من الاتحاد الأوروبي المشاركة وتدعم التنفيذ. كذلك تستطيع “آسيان” الاستفادة من نماذج التعاون الأمني عبر إنشاء مركز، أو توسيع صلاحيات مركز دمج المعلومات في سنغافورة، لتبادل تقييمات التهديدات، وتنسيق عمل القوات البحرية وخفر السواحل، وتطوير بروتوكولات مشتركة لحماية البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر.

 

قوانين أعماق البحار

غير أن التنسيق التشغيلي والجهود داخل الأقاليم وفي ما بينها سيظلان محدودين في نهاية المطاف ما لم تعالج أوجه القصور في النظام القانوني الدولي. ولذلك، يتعين على الدول السعي إلى توضيح حقوق ومسؤوليات الدول الساحلية ودول العلم بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإقرار قوانين وتنظيمات وطنية تنفذ الالتزامات المنصوص عليها فيها، بما يعزز الامتثال والمساءلة. ومن بين هذه الخطوات، تشجيع فرض عقوبات أشد على الإضرار المتعمد بالكابلات، وتوضيح أن مصطلح “السفن” في الاتفاقية يشمل المركبات غير المأهولة بحيث تمتد التزامات دولة العلم إليها وإلى مشغليها من بعد، وأن تلزم المركبات غير المأهولة التسجيل لدى دولة علم وحمل معرفات فريدة تتيح التتبع وتحديد الولاية القضائية.

 

ويمكن للدول معالجة الغموض والثغرات القانونية إما عبر قرار تصدره الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو أمر مستبعد في ظل البيئة الجيوسياسية الراهنة، أو من خلال مؤتمر خاص يعقد خارج إطار الأمم المتحدة وتدعو إليه مجموعة من الدول المتقاربة في الرؤى. وسيتيح مثل هذا المنتدى للدول المشاركة توضيح المسؤوليات وتطوير معايير مشتركة، كذلك يتيح للولايات المتحدة الاضطلاع بدور قيادي على رغم عدم تصديقها على اتفاقية قانون البحار. وينبغي أن يسعى المؤتمر إلى مشاركة واسعة، بما في ذلك مناطق لا تحظى بتمثيل كاف مثل أفريقيا، ودول المحيط الهندي، وجنوب شرقي آسيا، التي باتت تشكل عقداً متزايدة الأهمية في شبكات الكابلات العالمية، على أن يدعى المشغلون وشركات التأمين للمشاركة أيضاً. ويتعين أن يهدف المؤتمر إلى الخروج بمدونة تحدد قواعد السلوك المسؤول في ما يتعلق بالكابلات البحرية، يستفاد منها لاحقاً في مداولات الأمم المتحدة.

 

وأخيراً، دعماً لهذه الجهود، ينبغي للدول المتقاربة في المواقف إنشاء منظمة حكومية دولية تعنى بأمن البنية التحتية في أعماق البحار. وستشمل مهامها الأساسية إجراء تحقيقات تقنية محايدة في أضرار الكابلات، بما يساعد على كشف الجهات المسؤولة أياً كانت، ووضع المعايير وتدقيق الالتزام بها من خلال برنامج اعتماد لـ”الكابلات الموثوقة”، يوفر للأعضاء أساساً مشتركاً لحظر دخول السوق على الأنظمة التي ترفض الانصياع لتلك الأحكام. ويمكن للمنظمة أن تضطلع بدور الوساطة في النزاعات التنظيمية عبر آليات بين الدول أو بين الأخيرة والشركات، بما يسهل التوصل إلى اتفاقات سريعة ومقبولة من جميع الأطراف.

 

واستناداً إلى الدروس المستفادة من أنظمة ضبط الصادرات وهيئات وضع المعايير التقنية، ينبغي لأعضاء المنظمة توقع أن يبادر خصوم الولايات المتحدة، مثل الصين وروسيا، إلى بناء أنظمة موازية، أو الطعن في شرعية المنظمة، أو ممارسة ضغوط على دول أخرى لثنيها عن المشاركة. وقد يسعون أيضاً إلى الانضمام بغية تمييع المعايير، وعرقلة عملية صنع القرار من الداخل، وإبطاء التحقيقات، وهو ما يبرز أهمية اعتماد شروط عضوية صارمة، ومتطلبات شفافية، وضمانات مؤسسية متينة. ويمكن للأعضاء المؤسسين، في مرحلة لاحقة، فتح باب المشاركة على نطاق أوسع، ولكن بشروط تعزز أهداف المنظمة بدلاً من إضعافها.

 

“على أعصاب الأرض الرابطة”

إن إحراز تقدم على هذه الجبهات المتعددة سيضيق هامش التخريب والمراقبة والعرقلة التنظيمية. فتعزيز التنسيق التشغيلي، وآليات التحقيق وتحديد المسؤوليات وفرض العقوبات، من شأنه أن يجعل التخريب وأنشطة “المنطقة الرمادية” أكثر صعوبة في التنفيذ وأعسر على الإفلات من المحاسبة، بما يعزز الردع. كذلك فإن إنشاء نظام لتبادل المعلومات، وشبكة لتقاسم الاستخبارات، واعتماد منظومة موثوقة لاعتماد الكابلات، سيقلل من أخطار المراقبة. ومن شأن تحديد حدود حقوق الدول الساحلية وتعزيز النفوذ الجماعي أن يحد من العوائق التنظيمية ومن الميل إلى تجنب المناطق الخلافية. وسيسهم اعتماد مدونة سلوك فعالة في توضيح السلوكيات المتوقعة من الدول المسؤولة.

 

وفي المقابل، لا تمثل تقوية الأطر المؤسساتية والقانونية دواءً شافياً وافياً. وستستمر دول عدة في مراوغة القانون الدولي على غرار ما تفعله الصين وعدد من الدول الأخرى. غير أن الهدف من هذه التدابير القانونية والمؤسسية هو تعديل معادلة الكلفة والمنفعة عبر رفع الكلف السياسية والاقتصادية والسمعة السلبية المترتبة على الأفعال العدائية أو غير الملتزمة. إن بناء هيكل عالمي يربط الجهود الوطنية والإقليمية والدولية، ويحدث القوانين والمؤسسات، يعد أمراً حاسماً لضمان أمن تلك الخطوط الحيوية العابرة لقيعان المحيطات وضمان الوصول إلى أعماق البحار. وإذا لم يصار إلى إرساء ذلك التركيب، فلسوف يتدهور نظام أعماق البحار الذي تعتمد عليه جميع الدول. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الأخطار مرتفعة بشكل خاص. وثمة صراع حاسم في هذا القرن يجب خوضه وكسبه “على أعصاب الأرض الرابطة”، بحسب كلمات الشاعر والكاتب البريطاني روديارد كيبلينغ.

 

 

 

لين كواك تشغل كرسي لي كوان يوه في معهد “بروكينغز”.

 

مترجم عن “فورين أفيرز”

التعليقات معطلة.