الشرق الأوسط… ماذا؟ وإلى أين؟

19





 

 

الجزء الثاني والأربعون:

 

ترامب ومحاولة إعادة تشكيل السلطة في العراق بعيدًا عن إيران

 

لم يكن الشرق الأوسط يومًا ساحةً للحلول، بل ممرًّا قلقًا تتحرك فيه القوى الكبرى كمن يبحث عن موطئ قدم في أرضٍ تتحرك رمالها باستمرار. واليوم، ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيسًا فعليًا للولايات المتحدة، تدخل المنطقة منعطفًا جديدًا من تاريخها… منعطفًا لا يشبه ما قبله.

فترامب الذي يقود واشنطن الآن ليس ذلك الذي خسر معركة المؤسسات عام 2020، بل رئيسٌ يتعامل مع الملفات الساخنة بمنطق التنفيذ لا الوعد، والحسم لا المداراة. وفي قلب هذه الملفات يقف العراق، البلد الذي تحوّل منذ 2003 إلى حلبة صراع إقليمي ودولي، وإلى نقطة الارتكاز الكبرى في مشروع النفوذ الإيراني.

 

أولاً: عودة ترامب ليست عودة إلى الماضي… بل بداية مرحلة كسر المعادلات

الإدارات الديمقراطية كانت تتعايش مع وجود إيران في العراق، وتراه أمرًا واقعًا يجب احتواؤه لا تغييره . أما إدارة ترامب الحالية فتنظر إليه باعتباره خطأً استراتيجياً صنعته واشنطن نفسها وعليها تصحيحه، ليس خدمةً للعراق فحسب، بل لحفظ مكانة الولايات المتحدة في الإقليم.

لذلك، تتحرك واشنطن اليوم بوضوح:

تصريحات مبعوث ترامب سافايا: “لا وجود لميليشيات في العراق” ليست جملة إنكارية، بل مقدمة قرار.

ضغوط اقتصادية وسياسية على الحكومة.

مراجعة قواعد الاشتباك بعد هجمات إيران من شمال العراق إلى كورمور .

تنسيق أميركي–إسرائيلي–خليجي لإضعاف نفوذ طهران داخل بغداد.

إنها ليست رسائل سياسية؛ إنها إشارات لمحاولة إعادة صياغة السلطة العراقية من جذورها.

 

 ثانياً: لماذا العراق؟ ولماذا الآن؟

الإجابة بسيطة… وخطيرة في الوقت نفسه: لأن العراق هو مفتاح الشرق الأوسط.

إيران تمدّ نفوذها عبر العراق. أمن الخليج يرتكز على ما يجري في العراق. والممر الطاقي من الغاز إلى النفط لا يستقر إلا باستقرار العراق.

وقد جاءت ضربات إيران الأخيرة، خصوصاً استهداف كورمور ومواقع شمال العراق، كي تؤكد لواشنطن ما كانت تعرفه: ترك العراق خارج يد أميركا يعني تسليم المنطقة إلى خصومها.

لذلك جاء الرد الأميركي بشكل غير مباشر حتى الآن لكنه محسوم الاتجاه: المنطقة تُقاد نحو إعادة توزيع السلطة، والعراق هو الحلقة الأولى.

 

 ثالثاً: رؤية ترامب لإعادة بناء السلطة العراقية

1. تفكيك منظومة 2003… وليس تعديلها

ترامب لا يرى جدوى من ترقيع نظام تأسس على المحاصصة والولاء الخارجي والسلاح الموازي للدولة. هو يؤمن بأن إصلاح هذا النظام من داخله أشبه بمحاولة إصلاح بيتٍ بُني على رمال متحركة.

2. حرمان إيران من “العمق العراقي”

منذ 20 عامًا، اعتمدت طهران على العراق كوسادة استراتيجية:

خط إمداد اقتصادي

عمق أمني

منصة ضغط إقليمي

ساحة نفوذ سياسي

ترامب يريد قطع هذه الوسادة، ولهذا أصبح العراق جبهة الحسم.

3. بناء سلطة وطنية ترتكز على المصالح لا الطوائف

ليس حباً بالعراق بل لأن النموذج الإيراني في الحكم يهدد مصالح واشنطن وحلفائها. لذلك تسعى الإدارة الحالية إلى هندسة سلطة:

بلا سلاح خارج الدولة

بلا هيمنة أحزاب عقائدية

بلا اقتصاد موازٍ تديره الفصائل

مع انفتاح كامل على الخليج وإسرائيل مستقبلاً

 

 رابعاً: إيران في لحظة الاضطرار… وليست في لحظة القوة

ردّ طهران عبر الغارات كان رسالة بأنها “لا تزال موجودة”. لكن الحقيقة أن إيران اليوم:

محاصرة دوليًا

منهكة اقتصاديًا

معزولة إقليميًا

وتواجه ضغطاً عسكرياً متزايداً

والأهم: لم تعد تمتلك الغطاء الأميركي الذي تمتعت به خلال إدارات سابقة.

وهذا يعني أن قدرتها على حماية نفوذها في العراق لم تعد كما كانت.

 

خامساً: العراق… إلى أين؟

نحن أمام ثلاثة سيناريوهات متوازية:

1. مشروع أميركي لإعادة بناء الدولة

يعتمد على تفكيك سطوة الفصائل وتغيير البنية السياسية وإعادة دمج العراق في محور عربي–غربي.

2. مشروع إيراني للتمسّك بما تبقّى

عبر الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي، ومحاولة فرض وقائع ميدانية قبل أي تفاهم دولي.

3. مشروع وطني عراقي يبحث عن فرصة

الشارع الذي تعب من الفساد والمحاصصة والهيمنة الخارجية قد يجد هذه المرة نافذة للتغيير… إذا ما انسحبت القبضة الإيرانية .

 

 يتبع غدا الجزء الثالث والاربعون: “العراق بين ضغط واشنطن وارتباك طهران: لحظة مفصلية تعيد رسم المشهد الإقليمي”

التعليقات معطلة.