الشرق الأوسط.. ماذا وإلى أين؟

12

 

 

الجزء الثالث والثلاثون:

 

زيارة تُربِك طهران… وتُعيد واشنطن إلى الخليج: محمد بن سلمان يكتب معادلة الردع الجديدة

في لحظة إقليمية مشتعلة، جاءت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن لتعيد خلط أوراق القوة في الشرق الأوسط، وتفتح الباب أمام معادلة جديدة في الردع الإقليمي. ففي ظل الصراع المتصاعد بين القوى الكبرى، وتراجع فعالية الأنظمة التقليدية للردع، تبدو الرياض اليوم لاعباً مركزياً يعاد تموضعه داخل خارطة القرار الأميركي–الإقليمي.

الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل سياسية إلى أبعد حدود. فالرجل الذي أحدث تحولاً عميقاً داخل السعودية، جاء هذه المرة ليشارك في إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، في ظل مواجهة مفتوحة بين إيران من جهة، ومحور متشكل تدريجياً يضم السعودية، والإمارات، وإسرائيل، ومصر، والأردن، بظل دعم أميركي–بريطاني متصاعد.

 

أولاً: زيارة في توقيت حساس

تأتي الخطوة في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة ملفات كبرى:

تصاعد التوتر الخليجي الإيراني بعد استهدافات متبادلة، وخشية من انزلاق المنطقة نحو مواجهة واسعة.

إعادة تموضع أميركي في الشرق الأوسط مع تنامي القناعة بضرورة بناء شبكة ردع جديدة تحد من النفوذ الإيراني بعد فشل سياسة غضّ النظر.

اشتداد الصراع الدولي بين واشنطن من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى، مما يجعل السعودية مركز توازن استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه.

وبهذا المعنى، تأتي واشنطن لإعادة تثبيت علاقتها بشريك لم يعد مجرد “منتِج نفط”، بل دولة ذات طموح قيادي إقليمي لا يمكن تجاوز تأثيره.

 

ثانياً: ماذا تريد الرياض من واشنطن؟

لم تعد مطالب الرياض محصورة بالدعم العسكري أو الضمانات الدفاعية، بل تتحرك المملكة باتجاه:

اتفاق دفاعي رسمي يعيد رسم حدود الردع ضد إيران.

دعم البرنامج النووي السعودي السلمي بما يحقق توازناً استراتيجياً مع طهران.

ترتيبات أمن البحر الأحمر والخليج للحد من تهديدات الميليشيات المرتبطة بإيران.

تفاهمات اقتصادية وتقنية ضخمة تعزز مشروع 2030 وتحوله إلى منصة قوة إقليمية.

بهذه الأدوات، تريد الرياض تثبيت موقعها في قلب المعادلة الأمنية الجديدة، باعتبارها الدولة الأكثر قدرة على تحجيم النفوذ الإيراني من جهة، ومنع انفلات الصراع من جهة أخرى.

 

ثالثاً: ماذا تريد واشنطن من الرياض؟

تدرك واشنطن أن تفكك النظام الأمني الإقليمي بعد 2011 لم يعد يسمح بإدارة المنطقة من مسافة آمنة. ومن هنا، تبحث عن:

شريك عربي قوي يعيد التوازن المفقود مع إيران.

تقليل الوجود العسكري المباشر عبر شراكات ردع مرنة.

منع الصين وروسيا من التوسع داخل الخليج عبر تحالف اقتصادي–أمني محكم.

تسريع التفاهمات السياسية في الملف الفلسطيني ضمن إطار تسوية أوسع مع تل أبيب.

السعودية بالنسبة لواشنطن لم تعد مجرد دولة خليجية، بل مفتاح استقرار لأي حرب أو تسوية كبرى.

 

رابعاً: أثر الزيارة في توازن القوة والردع

الزيارة تحمل دلالات أبعد من العلاقات الثنائية. فهي:

1. تعيد تعريف ميزان القوة الإقليمي شراكة دفاعية سعودية–أميركية تعني عملياً أن إيران تفقد أهم عناصر تفوقها: غياب قوة عربية كبرى قادرة على الردع.

2. تغيّر حسابات طهران الرياض لم تعد تحت سقف “تجنب التصعيد”، بل أصبحت جزءاً من محور يعيد هندسة قواعد الاشتباك ويحد من حركة الميليشيات.

3. تمنح إسرائيل بيئة استراتيجية جديدة رغم التباينات، فإن تعزيز الردع ضد إيران يصب في مصلحة الطرفين.

4. تزيد الضغط على الفصائل الموالية لإيران كلما اقتربت الرياض من واشنطن، ضاقت مساحة حركة تلك الفصائل في العراق وسوريا واليمن.

5. تؤسس لمرحلة جديدة من الردع المشترك نظام أمني قائم على التحالفات الإقليمية والوكلاء الأقوياء، لا على الوجود الأميركي المباشر فقط.

 

خامساً: تصريحات ترامب وتحوّل معادلة الردع

في سياق إعادة رسم التحالفات، جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتضيف بعداً استراتيجياً جديداً. فترامب تحدث بوضوح عن:

استعداده لتزويد السعودية بطائرات F-35، وهو ما كانت واشنطن تتردد فيه طويلاً نظراً لحساسية التفوق الجوي الإسرائيلي.

إبرام اتفاقية دفاع مشترك كاملة مع المملكة، بما يشبه “مظلة أمنية” مشابهة لتلك الموجودة مع اليابان وكوريا الجنوبية.

هذه الوعود، إن تحققت، ستعني نقلة نوعية في ميزان القوة الإقليمي، وتضع السعودية في مستوى دفاعي غير مسبوق منذ تأسيس المملكة، وتحوّل الردع من مجرد تنسيق سياسي–أمني إلى تحالف استراتيجي رادع ومُلزم.

كما تشكّل هذه الإشارات رسالة مباشرة لطهران بأن واشنطن قد تنتقل من مرحلة “إدارة” النفوذ الإيراني إلى مرحلة تحجيمه ومحاصرته عبر تحالفات صلبة، لا عبر مفاوضات مطولة.

 

سادساً: الرسالة الأكثر عمقاً

الزيارة تحمل رسالة واضحة: الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل كبرى، والسعودية اليوم ليست تابعاً، بل شريكاً في صياغة معادلة الردع الجديدة. إنها لحظة انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى إدارة التوازنات، ومن الاعتماد على القوى الكبرى إلى الشراكة معها في صناعة الأمن الإقليمي .

زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن لم تكن حدثاً عابراً، بل جزءاً من معركة أكبر لإعادة رسم توازن القوة في الشرق الأوسط، حيث لم تعد إيران المحتكر الوحيد لمعادلات الضغط، ولم تعد واشنطن اللاعب الوحيد الذي يقرر. اليوم، تدخل الرياض السطر الأول في دفتر الردع الإقليمي، وتضع نفسها في موقع الشريك الكامل في صناعة مستقبل المنطقة، وسط بيئة دولية تعيد تشكيل موازين القوة على نار هادئة .

 

يتبع غدا الجزء الرابع والثلاثون: “العراق الدموي”

التعليقات معطلة.