الشرق الأوسط… ماذا وإلى أين؟

17

 

 

الجزء الخامس والثلاثون:

 

تشرين… أيقونة الثورات العراقية وبوابة التغيير البارد

 

لم تكن ثورة تشرين حدثاً عابراً في الذاكرة العراقية الحديثة، بل كانت نقطة تحوّل كبرى في وعي الشعب وإدراكه لحقيقة النظام الذي تشكّل بعد عام 2003. نظامٌ قام على المحاصصة والطائفية، وتحوّل مع الزمن إلى شبكة مصالح حزبية ومليشياوية عميقة الجذور، تماهت فيها الهوية الوطنية مع الولاءات العابرة للحدود. ومن رحم هذا الانسداد خرج تشرين كصرخةٍ وطنية نقية أرعبت الجميع: الأحزاب الحاكمة، النظام الإيراني، وحتى الولايات المتحدة التي رعت العملية السياسية منذ لحظة التأسيس الأولى.

الشعب العراقي، الذي أنهكته الحروب والعقوبات والاحتلالات، لم يعد يثق لا بالوعود ولا بالشعارات. رأى بأمّ عينيه كيف تحوّلت الدولة إلى غنيمة تتقاسمها قوى السلطة، وكيف غابت العدالة والتنمية لصالح الفساد والتبعية. وعندما قرر أن يخرج مطالباً بوطنٍ حرّ ومستقل، واجهته آلة قمعٍ لم يعرف العراق مثيلاً لها منذ عقود، سقط فيها أكثر من ألف شهيد، وجُرح أكثر من ثلاثين ألفاً، بينهم خمسة آلاف مصاب بإعاقات دائمة. لقد كان القمع مشتركاً بين أدوات الداخل ومظلة الخارج، فالقوى الحاكمة تلقت الدعم المعنوي والغطاء السياسي من رعاتها الإقليميين والدوليين، لأن الجميع أدرك أن تشرين ليست احتجاجاً على الفساد فقط، بل على معادلة ما بعد 2003 بكاملها.

رعب السلطة من صحوة الوعي

اللحظة التي أدرك فيها النظام الإيراني والأحزاب التابعة له أن الشارع العراقي خرج من دائرة التوجيه المذهبي والسياسي، كانت لحظة الخوف الكبرى. فالثورة لم ترفع شعارات طائفية، ولم تطلب سلطة، بل طالبت باستعادة الوطن من خاطفيه. وهذا ما جعلها تهديداً وجودياً لا يمكن احتواؤه بالخطاب ولا بالوعود، بل فقط بالقوة المفرطة. أما الولايات المتحدة، التي وجدت نفسها في مأزقٍ بين حماية “النظام الديمقراطي” الذي أسسته، وبين الحفاظ على توازن النفوذ مع إيران، فقد آثرت الصمت المطبق، مكتفية بإدارة المشهد من بعيد وفق مبدأ “الاحتواء المزدوج” لا التغيير الجذري.

عراق بلا ديمقراطية… وفوضى مقنّعة

اليوم، وبعد مرور سنوات على تلك الانتفاضة، يقف العراق على مفترق طرقٍ جديد. لم تتحقق الديمقراطية الموعودة، بل تحوّلت إلى واجهة شكلية تغطي حالة من الفوضى وانعدام الوزن. الدولة تبدو بلا بوصلة، والمؤسسات فقدت تماسكها لصالح النفوذ الحزبي والمليشياوي، فيما القرار الوطني أصبح أسيراً للتوازنات الخارجية. لا أحد من الفاعلين في المشهد السياسي يمتلك رؤية وطنية خالصة، والجميع يستقوي بالخارج لضمان بقائه في السلطة أو على الأقل في المشهد.

في المقابل، تتنامى القناعة لدى الفاعل الدولي وخاصة بريطانيا والولايات المتحدة ، بأن استمرار هذه المعادلة بات عبئاً ثقيلاً على استقرار المنطقة. فالعراق، الذي كان يُراد له أن يكون “الركيزة الديمقراطية” في الشرق الأوسط الجديد، تحوّل إلى بؤرة نفوذ إيراني تهدد المصالح الغربية والإسرائيلية والخليجية على حد سواء. لذلك تتجه الإرادة الدولية اليوم إلى البحث عن تغيير بارد وناعم، يعيد تشكيل المشهد العراقي من الداخل، دون الحاجة إلى صدامٍ مباشر أو ثورةٍ جديدة .

التغيير البارد: ولادة عراق جديد بصيغة دولية

يبدو أن العالم، بعد حروبٍ وتجارب مريرة في الشرق الأوسط، لم يعد يميل إلى الانقلابات أو الفوضى. التغيير القادم في العراق لن يكون على شكل “ربيع جديد” بل ضمن خطةٍ بطيئة وممنهجة لإعادة صياغة النظام السياسي من الداخل، عبر الضغط الدولي، وإعادة تدوير بعض النخب، وإقصاء الأطراف المليشياوية الأكثر تشدداً. هذه الخطة تأتي استكمالاً لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي دخل مرحلة إعادة الضبط بعد فشل التجارب السابقة، وخصوصاً بعد تبدّل المواقف الغربية من إيران وتنامي الرفض الشعبي العربي لنفوذها الإقليمي.

إن الحديث عن إصلاحات حكومية في ظل الوضع الراهن لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال إعادة الترميم المؤقت. فالعراق يعيش مرحلة انعدام الوزن السياسي، حيث لا سلطة تملك القرار الكامل، ولا شارع قادر على فرض التغيير بعد أن أُنهك وأُحبط. وهنا يأتي دور القوى الدولية، التي ترى في المشهد فرصة لإعادة التموضع، خاصة وأن العراق يبقى محور التوازن الإقليمي، وجغرافياً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص الشرق الأوسط.

تشرين… نار تحت الرماد

لكن رغم كل القمع والتشويه والتضليل الإعلامي، لم تنطفئ جذوة تشرين. فالثورات الحقيقية لا تموت، بل تتحوّل إلى وعيٍ جمعي يترسّخ في الضمير الوطني. وقد بات واضحاً أن روح تشرين ما زالت تسكن في جيلٍ جديد يؤمن أن العراق يستحق نظاماً وطنياً خالصاً، لا تحكمه الطوائف ولا تحدده السفارات. هذا الجيل الذي خرج يهتف “نريد وطن”، لم يعد يثق في أي شعار أو خطاب صادر من داخل النظام، لأنه جرّب الجميع ووجدهم شركاء في الخراب.

ولعلّ ما يُقلق الفاعل الدولي والإقليمي في آنٍ واحد هو أن هذا الوعي الشعبي المتراكم قد ينفجر مجدداً، لكن في ظروف مختلفة، وبأسلوبٍ أكثر تنظيماً. وهنا يسعى “المطبخ الدولي” لتفادي ذلك السيناريو عبر إحداث تحوّلٍ تدريجي ناعم يعيد التوازن من دون ثورةٍ، ويجدد الطبقة السياسية من دون انهيار النظام أي تكرار لنمط “التغيير المحسوب” الذي جُرّب في أكثر من دولة عربية .

العراق والشرق الأوسط الجديد

إن ما يجري في العراق لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى في الشرق الأوسط. فكل خطوة تُتخذ في بغداد تُقرأ في طهران والرياض وتل أبيب وواشنطن ولندن على السواء. المنطقة بأكملها تدخل مرحلة إعادة التموضع، والعراق في قلبها. وإذا كان الشرق الأوسط الجديد الذي رسمته خرائط ما بعد 2003 قد منح إيران مساحة نفوذٍ واسعة، فإن النسخة القادمة منه ستسعى إلى تقليص تلك المساحة، مع إعادة العراق إلى دوره الطبيعي كدولة مركزية مستقلة، لا كساحة صراع.

تشرين، في هذا السياق، ليست فقط ثورةً عراقية، بل رمزٌ لانكسار جدار الخوف في الوعي العربي تجاه الطائفية والتبعية. إنها الصفحة الأولى في رواية التغيير البارد الذي يُكتب الآن على نارٍ هادئة، برعاية دولية ومراقبة إقليمية، وبانتظار لحظة النضوج الشعبي والسياسي.

 

العراق اليوم يعيش ما قبل التغيير لا ما بعده. كل المؤشرات تدل على أن النظام الذي وُلد من رحم الاحتلال وفُصّل على مقاس الطائفية يترنح، لكن القوى الكبرى لا تريد إسقاطه فجأة، بل إعادة هندسته بما يخدم مشروعاً أوسع للمنطقة. أما تشرين، فتبقى الأيقونة التي كسرت حاجز الصمت وفتحت الباب أمام الوعي، لتكون البذرة التي سيُبنى عليها عراق المستقبل… عراق ما بعد الفوضى، وما بعد التبعية .

 

 

يتبع السبت الجزء السادس والثلاثون:

“لماذا أصبحت أمريكا المشكلة والحل في آنٍ واحد؟”

التعليقات معطلة.