الشرق الأوسط.. ماذا وإلى أين؟

5

 

 

الجزء السابع والثلاثون:

 

العراق يغادر الطائفية.. ويدخل زمن الانقسام الوطني

 

في لحظة سياسية فارقة، يمكن القول بثقة إن العراق اليوم لا يشبه عراق الأمس. الانقسام الطائفي الذي فُرض على العراقيين منذ 2003، وجرّ البلاد إلى سنوات من الدم والنهب والانكسار، لم يعد هو العنوان الذي يحكم المزاج العام ولا هوية الدولة ولا اتجاهات الشارع. ما يحدث اليوم هو انتقال تاريخي من انقسامٍ طائفي، مُدار من قوى استفادت من المحاصصة وعمّقت الجروح، إلى انقسام وطني بين مشروعين لا ثالث لهما: مشروع وُلد من رحم الطائفية ويسعى للبقاء عبر إعادة تدوير نفسه، ومشروع وطني يتقدم بثبات، يريد استعادة وحدة العراق وهوية شعبه.

نهاية صلاحية الطائفية

الطائفية لم تعد تجارة رائجة. زعماؤها يدركون قبل غيرهم ، أن الوقت يتحول ضدهم، وأن شارع 2025 لم يعد شارع 2006 أو 2014. الوعي العراقي ارتفع، الأجيال تغيّرت، وتجارب المرارة صنعت من الناس مناعة ضد خطاب التفرقة. لم تعد سرديات “المكوّن” قادرة على شرعنة الفشل، ولم يعد “الخوف من الآخر” ورقة صالحة للاستخدام. فمن جاؤوا بالطائفية إلى الحكم، وحولوا الدولة إلى حصص وامتيازات، يجدون أنفسهم اليوم أمام جدار شعبي صلب يزداد اتساعاً وصلابة.

الانقسام الوطني: معركة هوية لا معركة طوائف

الانقسام الجديد ليس بين شيعي وسني، ولا بين عربي وكردي. الانقسام الحقيقي اليوم هو بين:

من يريد إبقاء العراق دولة محاصصة تُدار ولاءاتها خارج الحدود،

ومن يريد عراقًا واحدًا، موحدًا بهويته الوطنية الجامعة، تُبنى فيه الدولة على المواطنة لا على الطائفة.

هذه اللحظة ليست مجرد اختلاف سياسي؛ إنها معركة هوية. لأول مرة منذ 2003، لم يعد العراقيون يتجادلون على “من يمثل هذا المكوّن؟”، بل على سؤال أشد عمقًا: من يمثل العراق؟

المواطنة تستعيد مكانها

المواطنة ليست فكرة جديدة على العراقيين؛ هي الأصل الذي طُمِسَ لسنوات طويلة تحت غبار المحاصصة. اليوم، تعود المواطنة إلى الواجهة كحقّ طبيعي، وكمرجع أخلاقي وسياسي. العراقيون باتوا يدركون أن:

الأمن لا يتحقق بالطائفة،

والعدالة لا تُصنع بالحصة،

والتنمية لا تأتي بالمكاتب الاقتصادية للفصائل،

والكرامة لا تعطيها دولة مقسمة على أسس مريضة.

المواطنة اليوم ليست مجرد شعار؛ إنها حاجة للبقاء. إذ لا يمكن لعراق موحد أن يُدار بعقول ترى الشعب “مكونات”، والدولة “غنيمة”، والسلطة “سوقاً للطوائف”.

الطائفية تعيش أيامها الأخيرة

ما نراه اليوم هو سقوط تدريجي للطبقة التي بنت نفوذها على الطائفية. كل المؤشرات تقول إن هذه الطبقة خسرت:

قدرتها على التخويف،

شرعيتها الشعبية،

واستقرارها داخل النظام نفسه.

لم يعد الناس ينظرون لها باعتبارها “حماة المكوّن”، بل باعتبارها جذر الخراب. وهذه لحظة مفصلية؛ لأن الأنظمة تسقط أولاً في الوعي قبل أن تسقط على الأرض.

نحو وطنٍ يعود إلى نفسه

العراق اليوم يقف أمام فرصة نادرة: استعادة وحدته الوطنية الحقيقية. العودة ليست الى الماضي، بل إلى طبيعة العراق التي حاولت الطائفية تشويهها. إنها لحظة يقظة كبرى تقول: الهوية الوطنية لا تتقاطع مع العناوين الدينية أو القومية… لكنها تتقدم عليها جميعًا.

الطائفة قد تكون عنوانًا اجتماعيًا محترمًا، لكن الوطن هو العنوان الأعلى، والمواطنة هي أساس الحكم، والوحدة هي قدر العراقيين الذي لا مفر منه.

 

ما يجري اليوم في العراق ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، بل إعادة تشكيل للوعي العام. إنه انتقال تاريخي من مرحلة “المكوّنات” إلى مرحلة “الوطن”. ومن حكم المحاصصة إلى حكم المواطنة. ومن انقسام طائفي استُنزفت فيه البلاد، إلى انقسام وطني سيحدد معالم العراق المقبل.

العراق يغادر الطائفية… ويمشي بثبات نحو دولة واحدة، وهوية واحدة، وشعب واحد، حتى لو اهتزت الطرق… فإن الاتجاه واضح: العراق يعود إلى نفسه.

 

يتبع غدا الجزء الثامن والثلاثون “إيران ربحت الطائفية وخسرت احترام الشعوب”

التعليقات معطلة.