الشرق الأوسط… ماذا وإلى أين؟

12





 

الجزء الحادي والأربعون

 

نهاية الحرب الروسية–الأوكرانية وانعكاساتها على تشكيل الشرق الأوسط الجديد

 

عندما تهدأ الجبهات في أوروبا… تتحرك الخرائط في الشرق

 

لم تكن الحرب الروسية–الأوكرانية مجرد صراع حدودي بين دولتين، بل كانت زلزالًا جيوسياسيًا هزّ النظام الدولي من جذوره. وحين تقترب هذه الحرب من نهايتها سواء بتسوية قسرية، أو اتفاق هش، أو تجميد طويل الامد فإن التداعيات لن تبقى محصورة داخل القارة الأوروبية، بل ستنعكس مباشرة على الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر حساسية لأي تحول في موازين القوى العالمية.

فالشرق الأوسط ليس مسرحًا معزولًا؛ إنه مفصل استراتيجي تتقاطع عنده مصالح موسكو وواشنطن وبكين ولندن وباريس، والجميع يسعى للنفوذ فيه.

ولهذا، فإن نهاية الحرب في أوروبا لن تكون لحظة راحة… بل بداية فصل جديد في صراع النفوذ على الشرق الأوسط.

 

أولاً: موسكو بعد الحرب… انكفاء أم اندفاع؟

إذا خرجت روسيا من الحرب مُرهَقة اقتصاديًا وسياسيًا، فستضطر إلى إعادة ترتيب أوراقها، وقد تبدأ بملف الشرق الأوسط حيث امتلكت نفوذًا واسعًا منذ تدخلها في سوريا عام 2015.

قد تتراجع قدرة موسكو على دعم النظام السوري عسكريًا وماليًا.

وقد تبحث عن صفقة كبرى مع الولايات المتحدة وأوروبا لضمان مصالحها في المتوسط مقابل تقليص حضورها.

لكن السيناريو الآخر يبقى قائمًا: أن تسعى روسيا لتعويض خسائرها إلى تعزيز وجودها في المنطقة، من خلال صفقات طاقة وسلاح وتفاهمات مع إيران وتركيا ودول الخليج.

وفي كلتا الحالتين، يبدأ الشرق الأوسط مرحلة إعادة تموضع.

 

ثانيًا: الولايات المتحدة… استعادة المساحات الفارغة

واشنطن تعتبر أن نهاية الحرب فرصة لإعادة الإمساك بالمفاصل التي تُركت لروسيا وإيران خلال العقد الماضي. ولهذا، فإن الشرق الأوسط سيشهد:

عودة أميركية أكثر وضوحًا في العراق وسوريا

تشددًا أكبر في التعامل مع النفوذ الإيراني

محاولات لتعزيز التحالفات الإقليمية (الناتو العربي، اتفاقيات إبراهيم، محور الهند–الخليج–أوروبا)

وتحت مظلة الإدارة الأميركية الحالية أو المقبلة، سيُعاد تعريف مفاهيم الأمن الإقليمي بما يخدم واشنطن وتمنع موسكو وطهران من ملء أي فراغ.

 

ثالثًا: إيران… الخاسر الإقليمي الأكبر

إيران بنت جزءًا كبيرًا من نفوذها على تعدد الأقطاب وعلى انشغال الغرب بملفات كبرى: الحرب على الإرهاب، النزاع مع روسيا، وصعود الصين.

أما اليوم، فإن نهاية الحرب تعني:

تركيزًا أكبر للغرب على الملف النووي الإيراني

إعادة فتح ملف أذرع إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن

احتمال تقليص النفوذ الروسي في سوريا مما يضع إيران في مواجهة مباشرة مع إسرائيل

وهكذا، تجد طهران نفسها أمام مرحلة جديدة من الضغط الدولي والإقليمي، مع تغيّر البيئة الاستراتيجية التي كانت تتنفس من خلالها.

 

رابعًا: تركيا… لاعب وسط يبحث عن موازنة جديدة

تركيا التي استفادت من الحرب عبر حياد محسوب ووساطة لوجستية واقتصادية، ستغير اتجاهها بعد نهايتها.

ستسعى أنقرة إلى:

تثبيت مكانتها كقوة إقليمية مستقلة

تعزيز علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة

لعب دور مؤثر في الغاز الشرقي وممرات التجارة

موازنة علاقتها مع روسيا دون خسارة النفوذ في سوريا والقوقاز

وبالتالي، ستكون تركيا أحد أكبر المستفيدين من لحظة ما بعد الحرب.

 

خامسًا: دول الخليج… صعود الراسمال الاستراتيجي

انتهت الحرب إلى واقع جديد: الطاقة لم تعد مجرد سلعة… بل سلاح استراتيجي.

وهنا صعدت مكانة:

السعودية

الإمارات

قطر

التي أصبحت اليوم مراكز نفوذ بفضل قدرتها على التحكم بأسواق النفط والغاز. ومع نهاية الحرب، ستدخل هذه الدول في جولات تفاوض دولية ضخمة حول إعادة بناء أوروبا الطاقية، وتشكيل التحالفات الإقليمية الجديدة.

 

سادسًا: العراق… الحلقة الأضعف في التغيير القادم

العراق، للأسف، يدخل الفترة الجديدة بوصفه:

ساحة لا لاعبًا

دولة مخترقة النفوذ

موقعًا متقدّمًا في الصراع الإيراني–الأميركي

نقطة عبور محتملة للصراع الإسرائيلي–الإيراني

اقتصادًا هشًا أمام أي اضطراب نفطي عالمي

وكل تحوّل عالمي في موازين القوى يُترجم في العراق مباشرة، سواء عبر الفصائل، أو عبر الطاقة، أو عبر الضغط الاقتصادي.

انتهاء الحرب يعني ضغطًا أكبر على إيران، وهذا يعني تحريك ساحاتها—خصوصًا العراق—لإعادة توزيع الأدوار ومناطق النفوذ.

وبالتالي، سيكون العراق جزءًا من “الشرق الأوسط الجديد”، لكن ليس بالضرورة لاعبًا في تشكيله.

 

ما بعد الحرب… فصل جديد من سؤال قديم

نهاية الحرب الروسية–الأوكرانية لن تكون خاتمة صراع، بل بداية صراعات جديدة تُرسم حدودها في الشرق الأوسط.

فالتوازنات ستتغيّر، والتحالفات ستُعاد صياغتها، واللاعبون سيستخدمون المنطقة مجددًا كمسرح لتثبيت مواقعهم في النظام الدولي القادم.

أما السؤال الذي يظل معلقًا فوق كل هذه التحولات فهو ذاته الذي بدأنا به هذه السلسلة:

الشرق الأوسط… ماذا وإلى أين؟

وحتى اللحظة، لا جواب نهائي. فكل نهاية على هذه الأرض… ليست سوى بداية لمرحلة جديدة .

 

يتبع غدا الجزء الثاني والابعون: “ترامب ومحاولة إعادة تشكيل السلطة في العراق بعيدًا عن إيران”

التعليقات معطلة.