
على مدى عقود كان الصراع العربي الإسرائيلي يمثل القضية المركزية في منطقة الشرق الأوسط، وكان ينظر إليه على أنه نزاع قومي بين إسرائيل والدول العربية المحيطة بها. لكن مع مرور الوقت، وخاصة بعد الثمانينات، تحول الصراع تدريجيًا من كونه عربي-إسرائيلي إلى إيراني-إسرائيلي، مع تراجع دور الدول العربية التقليدية في هذا النزاع وصعود نفوذ إيران في المنطقة. هناك عدة عوامل تاريخية وسياسية ساهمت في هذا التحول.
المرحلة الأولى: الصراع العربي الإسرائيلي
منذ إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 وحتى نهاية السبعينات، كانت الدول العربية مثل مصر، الأردن، وسوريا والعراق في طليعة الصراع ضد إسرائيل. اندلعت عدة حروب بين العرب وإسرائيل، مثل حرب 1948، 1956، 1967، و1973، حيث كانت الدول العربية تسعى لاستعادة الأراضي الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
لكن مع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، تغيرت ديناميكية الصراع. مصر، الدولة العربية الأكبر والأكثر تأثيرًا في الصراع، دخلت في معاهدة سلام مع إسرائيل ، أدى ذلك إلى تراجع الاندفاع العربي للحرب المفتوحة مع إسرائيل، وبدأت الدول العربية الأخرى تدريجيًا في السعي نحو حلول دبلوماسية أو التكيف مع الواقع الجديد .
صعود الثورة الإيرانية:
في نفس العام (1979)، اندلعت الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الخميني. هذه الثورة غيرت بشكل جذري السياسة الإيرانية، حيث تبنى النظام الإيراني الجديد موقفًا معاديًا لإسرائيل واعتبرت نفسها حامية للقضية الفلسطينية. رغم أن إيران ليست دولة عربية، إلا أنها بدأت بتقديم دعم مالي وعسكري للفصائل الفلسطينية واللبنانية المسلحة التي تعارض إسرائيل.
إيران استغلت الفراغ الذي تركته بعض الدول العربية بعد معاهدات السلام مع إسرائيل لتملأ الفراغ بدعمها للفصائل مثل حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان. هذه الجماعات المسلحة أصبحت الأدوات الرئيسية لإيران في مواجهة إسرائيل والمدافعة عن مفاهيم وطروحات الثورة الخمينية واستخدمت الصراع مع اسرائيل لاستدراج المزيد من المقاتلين ضمن فصائلها الولائية بالدفاع عن ولاية الفقيه وتهديد المجتمعات العربية ووحدتها الوطنية من خلال اثارة الفتن الطائفية .
انسحاب الدول العربية من المواجهة:
مع مرور الوقت، بدأت العديد من الدول العربية تتبنى مواقف أكثر براغماتية تجاه إسرائيل. بعد اتفاقية أوسلو عام 1993 بين الفلسطينيين وإسرائيل، بدأت بعض الدول العربية في النظر إلى حل الدولتين كوسيلة لتسوية النزاع. بينما تراجعت الحكومات العربية عن المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، بدأت إيران في الظهور كقوة مقاومة أساسية ضد إسرائيل من خلال دعمها للجماعات المسلحة.
هذه المرحلة شهدت أيضًا تغيرًا في توجهات بعض الدول العربية تجاه إسرائيل. مع ظهور تهديد مشترك جديد يتمثل في نفوذ إيران المتزايد، بدأت بعض الدول العربية في التقارب مع إسرائيل، بشكل غير رسمي أحيانًا. هذا ظهر بوضوح في السنوات الأخيرة من خلال اتفاقيات تطبيع مثل اتفاقية “أبراهام” عام 2020 بين إسرائيل وعدة دول عربية مثل الإمارات والبحرين والمغرب.
إيران والفصائل المسلحة:
منذ الثمانينات، أصبحت الفصائل المدعومة من إيران، مثل حزب الله في لبنان وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، في طليعة المواجهة مع إسرائيل. حزب الله، على وجه الخصوص، خاض حروبًا مع إسرائيل أبرزها حرب 2006. وتعتبر إسرائيل أن هذه الفصائل تمثل تهديدًا استراتيجيًا بسبب قدراتها العسكرية المتزايدة بفضل الدعم الإيراني.
إيران لا تخوض مواجهة مباشرة مع إسرائيل، لكنها تعتمد على هذه الفصائل لشن هجمات ضد إسرائيل، سواء كانت بالصواريخ أو العمليات المسلحة الأخرى. وفي المقابل، تشن إسرائيل هجمات دورية على مواقع تابعة لإيران وحلفائها في سوريا ولبنان.
الوضع الراهن:
اليوم، نجد أن الصراع العربي الإسرائيلي قد تراجع إلى حد كبير مع تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدة دول عربية، بينما الصراع الإيراني الإسرائيلي قد تصاعد وأصبح هو المحور الرئيسي في المنطقة ، وبديلا عن الصراع القومي العربي مع اسرائيل بعناوين ومفاهيم مختلفة تتماشى مع رغبة إيران بأستخدام نفوذها الإقليمي وحلفاءها من الفصائل المسلحة لتعزيز موقعها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، بينما تحاول إسرائيل تحجيم هذا النفوذ من خلال الهجمات الجوية والسياسية.
إضافة إلى ذلك، أصبح الصراع الإيراني الإسرائيلي جزءًا من الصراع الأوسع على النفوذ في الشرق الأوسط بين إيران من جهة والمحور العربي الذي تقوده السعودية من جهة أخرى، حيث تحاول كل قوة تعزيز نفوذها في المنطقة والتأثير على شكل النظام الإقليمي المستقبلي.
ان تحول الصراع من عربي-إسرائيلي إلى إيراني-إسرائيلي يعكس التغيرات السياسية والجيوسياسية الكبيرة في الشرق الأوسط على مدى العقود الماضية. ومع انسحاب الدول العربية الكبرى من المواجهة المباشرة مع إسرائيل، باتت إيران، من خلال حلفائها في المنطقة، الطرف الرئيسي في مواجهة إسرائيل. هذا التحول يشير إلى تعقيد الصراع وتداخل العديد من القوى الإقليمية والدولية فيه، مما يجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل هذا الصراع وتداعياتة الخطيرة على المنطقة برمتها حيث لاشيء بالافق يدعوا الى الاطمئنان والحل باصرار اسرائيل على مزاولة الحرب حتى تحقيق كامل اهدافها في غزة والان بالضفة الغربية والجبهة الشمالية في لبنان وصولا الى استهداف المشروع النووي لايران ، وتدمير الفصائل المسلحة الموالية لايران في سوريا والعراق حيث ان مجريات الصراع وحجم الاهداف كبيرة وواسعة وتنذر باشعال المنطقة .

