في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس جدية الدول بما تعلنه من بيانات، بل بما تملك من إرادة لتنفيذها. والبيان الأخير الصادر من اللجنة المشتركة بين االعراق وامريكا وما اعقبه من بيان اخر ، رغم أهميتهما، لا يزالا خطوة أولى في طريق طويل، لأن جوهر الأزمة في العراق لم يعد مرتبطًا بنقص النصوص، بل بغياب الحسم في تطبيقها.
السيادة، في معناها الحقيقي، لا تقبل التجزئة. لا يمكن أن تقوم دولة بقرارين؛ أحدهما يُصاغ في بغداد، والآخر يُفرض من خارجها. هذه الازدواجية لم تعد مجرد خلل سياسي، بل تحولت إلى تهديد مباشر لفكرة الدولة نفسها. فحين يتوزع القرار بين مؤسسات رسمية وقوى موازية، تصبح الحدود بين الدولة واللادولة ضبابية، ويفقد النظام السياسي قدرته على التحكم بمساره.
إذا كانت الحكومة والقوى السياسية جادة فعلًا في تحييد العراق عن صراعات المنطقة، فإن ذلك يتطلب وضوحًا لا يحتمل التأويل: لا سلاح خارج إطار الدولة، ولا قرار في قضايا الحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية. غير ذلك، يبقى الحديث عن “منع استخدام الأرض العراقية” مجرد شعار، يفتقد إلى أدوات التنفيذ.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب التشريعات أو البيانات، بل في وجود قوى موازية تمتلك من النفوذ ما يجعلها قادرة على تعطيل الدولة أو تجاوزها. هذه القوى، مهما كانت مبررات وجودها في مراحل سابقة، أصبحت اليوم أمام اختبار تاريخي: إما الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، أو البقاء كعامل استنزاف دائم لسيادتها.
العراق يقف الآن عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يتجه نحو استعادة قراره الوطني بشكل كامل، عبر احتكار الدولة للسلاح والقرار، وإما أن ينزلق إلى مسار مفتوح على احتمالات خطيرة، قد تجره إلى مواجهات لا تعكس إرادة شعبه ولا مصالحه.
ما يحتاجه العراق اليوم ليس بيانًا إضافيًا، بل موقفًا سياسيًا واضحًا وشجاعًا. موقف يبدأ بدعوة صريحة لتسليم سلاح الفصائل إلى الدولة، ويمتد إلى إطلاق حوار وطني علني يعيد تعريف مفاهيم السلطة والسيادة، ويضع أسسًا جديدة لعلاقة الدولة بمكوناتها المختلفة.
المرحلة لم تعد تحتمل أنصاف الحلول أو المناورات السياسية. الاستدارة الكاملة نحو منطق الدولة لم تعد خيارًا تكتيكيًا، بل أصبحت شرطًا وجوديًا للنجاة. فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالقرارات الحاسمة، ولا تُحمى بالنوايا، بل باحتكار القوة والقرار تحت سقفها وحدها.

