تشير التطورات السياسية في العراق إلى تحوّل تدريجي في طبيعة الأزمة التي يواجهها النظام السياسي، من أزمة إدارة وحكم إلى أزمة شرعية بنيوية تمس أسس العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالنظم السياسية التي تعتمد على توازنات خارجية أكثر من اعتمادها على قاعدة اجتماعية مستقرة غالبًا ما تواجه هشاشة متزايدة عندما تتغير البيئة الإقليمية التي وفّرت لها شروط الاستمرار.
خلال العقدين الماضيين، استند جزء مهم من الاستقرار السياسي في العراق إلى معادلة مركبة جمعت بين التوازنات الداخلية والدعم الخارجي والتفاهمات الإقليمية. وقد وفرت هذه المعادلة إطارًا لإدارة السلطة أكثر مما قدمت نموذجًا مستقرًا للحكم الرشيد أو الشرعية المستندة إلى التمثيل الشعبي الفعلي.
غير أن البيئة الإقليمية التي دعمت هذا التوازن تشهد اليوم تحولات متسارعة، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الدولية على إيران وإعادة ترتيب أولويات القوى الفاعلة في الشرق الأوسط. وفي ظل هذه التحولات، يبرز العراق بوصفه ساحة مركزية في عملية إعادة ضبط التوازنات الإقليمية، ما يضع النخب السياسية المحلية أمام اختبار غير مسبوق يتعلق بمصادر شرعيتها الداخلية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الجديدة.
اعتمدت قوى سياسية رئيسية في العراق على منظومة حكم قائمة على توزيع السلطة وفق توازنات سياسية وطائفية، مدعومة بنفوذ أمني وشبكات رعاية اقتصادية، إضافة إلى علاقات إقليمية وفرت لها هامشًا واسعًا من المناورة. وقد أسهم هذا النموذج في تحقيق قدر من الاستقرار المؤقت، لكنه لم ينجح في بناء مؤسسات دولة قوية أو عقد اجتماعي مستدام بين الدولة والمجتمع.
ومع تراجع فاعلية التوازنات الإقليمية التي دعمت هذا النموذج، تظهر محدودية قدرته على الاستمرار في ظل غياب شرعية اجتماعية راسخة. فالسلطة التي تستند إلى فائض القوة دون قاعدة ثقة مجتمعية كافية تصبح أكثر عرضة للضغوط الداخلية والتغيرات الخارجية، خصوصًا في البيئات السياسية التي تشهد تحولات اجتماعية متسارعة.
في المقابل، يشهد المجتمع العراقي تغيرات ملموسة في أنماط الوعي السياسي وتوقعات المواطنين من الدولة. فقد تصاعدت المطالب المتعلقة بسيادة القانون، وكفاءة المؤسسات، والاستقلال الوطني في صنع القرار، وهي مطالب تعكس تحوّلًا تدريجيًا في مفهوم الشرعية السياسية من شرعية التوازنات إلى شرعية الأداء والتمثيل.
هذا التحول يكشف عن فجوة متنامية بين بنية النظام السياسي وتوقعات المجتمع. فبينما يستمر النظام في الاعتماد على آليات تقليدية لإدارة السلطة، تتجه قطاعات واسعة من المجتمع نحو المطالبة بإعادة تعريف دور الدولة ووظائفها، بما يتجاوز منطق المحاصصة والتوازنات الإقليمية.
تاريخيًا، أظهرت التجارب السياسية أن الاستقرار طويل المدى لا يتحقق عبر أدوات السيطرة وحدها، بل من خلال بناء مؤسسات قادرة على إنتاج الثقة العامة وتعزيز المشاركة السياسية. وفي هذا السياق، فإن التحدي الذي يواجه العراق لا يقتصر على إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر استدامة.
ما يجري في العراق اليوم قد يمثل مرحلة انتقالية في تطور النظام السياسي، حيث تتقاطع الضغوط الإقليمية مع التحولات الاجتماعية الداخلية لتفرض مسارًا جديدًا لإعادة تشكيل السلطة ومصادر شرعيتها. والسؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة ليس فقط قدرة القوى السياسية على التكيف مع التحولات الجارية، بل مدى استعدادها لإعادة بناء شرعيتها على أساس داخلي مستقر.
في هذا السياق، تبدو معادلة الحكم في العراق أمام مفترق طرق: إما التكيف التدريجي عبر إصلاحات تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، أو استمرار التآكل البطيء في شرعية النظام، بما يحمله ذلك من تداعيات على استقرار الدولة ومستقبلها السياسي .

