العراق… سيرة وطن كُتبت بالدم، لا بالحبر

2

 

إلى من ينتقد الشعب العراقي عليه ان يتذكّر فقط ، شعب دفع الدم والألم ولم يختر معركته وما حل به من مصير ، قبل أن تحكم …. عليك ان تتذكر ما ماتحمل هذا الشعب الطاهر .

ليست كل الحكايات تُروى، بعضها يُنزف. والعراق من تلك الحكايات التي لم تجد ورقًا يتّسع لها، فاختارت أن تُكتب على جسد شعبها. منذ أن اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، والعراقي يمشي فوق حدّ السكين؛ ثماني سنوات من الاستنزاف، لا منتصر فيها إلا الموت، ولا خاسر فيها إلا الإنسان.

ثم جاءت اللحظة التي بدّلت المسار كله: قرار غزو الكويت، ففُتحت أبواب الجحيم على مصاريعها. لم تكن مجرد حرب عابرة، بل كانت بداية سلسلة طويلة من الانكسارات، تُوّجت بضربات حرب الخليج الثانية التي أعادت رسم العراق على هيئة بلدٍ مُنهك، منزوع القوة، ومُثقل بالعزلة.

ثم جاء الحصار… ذلك الكائن الخفي الذي لا يُرى لكنه يقتل ببطء. سنوات التسعينيات لم تكن مجرد أزمة اقتصادية، بل كانت اختبارًا قاسيًا لكرامة الإنسان. دواء مفقود، غذاء شحيح، وأجيال كاملة تربّت على فكرة أن الحياة نفسها رفاهية بعيدة المنال.

وفي 2003، سقط السقف. اجتاح غزو العراق 2003 البلاد، فسقطت الدولة بكل ما فيها، لا نظامًا فحسب بل مؤسسات وهوية جامعة. ومن تحت الركام خرجت الفوضى، ومعها ولدت موجات العنف التي لم تفرّق بين شارع ومدرسة، بين سوقٍ ومصلّى. تمددت تنظيم القاعدة، وارتفعت رايات القتل، حتى صار الموت حدثًا يوميًا لا يثير الدهشة.

ثم انزلقت البلاد إلى هاوية الحرب الطائفية، حيث لم يعد الاسم مجرد تعريف، بل صار حكمًا بالحياة أو بالموت. قُتل الناس على الهوية، وتكسّرت المرايا التي كانت تعكس صورة وطن واحد. وما إن خفّ لهيب تلك المرحلة، حتى ظهر وحش جديد اسمه تنظيم داعش، فاحتل الأرض والعقول، وأعاد العراق إلى نقطة الصفر، إن لم يكن أبعد.

ولم يكن وباء جائحة كورونا إلا فصلًا آخر في كتاب الألم، جاء ليُثقل كاهل شعب لم يتعافَ أصلًا من جراحه السابقة. كل ذلك والعراق يعيش حالة شدٍّ مستمر بين نفوذين، أحدهما أمريكي والآخر إيراني، كأن البلد ساحة مفتوحة لصراع لا يملك قراره فيه.

اليوم، يقف العراقي أمام مرآة مثقلة بالتجارب، لكنه لا يرى طريقًا واضحًا. ضجيج السياسة أعلى من صوت العقل، والولاءات المتعددة تبتلع فكرة الدولة. التيه ليس عيبًا في الشعب، بل نتيجة طبيعية لكل هذا الركام من الحروب والانكسارات.

ومع ذلك… لا تزال هناك حقيقة عنيدة: هذا الشعب لم ينكسر. تعلّم كيف يعيش رغم كل شيء، كيف ينهض كل مرة من تحت الركام، وكيف يحتفظ بشيء من الأمل، حتى لو بدا الأفق معتمًا. ربما لم يُنصفه التاريخ، وربما دُفع به إلى معارك لم يخترها، لكن معاناته لم تذهب سدى.

نعم، من حق العراقيين أن يقولوا إنهم أبطال العالم في تحمّل الألم… لكن الأهم، أن يتحول هذا الألم يومًا ما إلى وعي، وهذا الوعي إلى قرار، وهذا القرار إلى وطن. 

من هنا نستطيع القول ان العراقيين ، أبطالًا ليس لأنهم انتصروا في معركة، بل لأنهم لا زالوا على قيد الحياة رغم كل شيء.

التعليقات معطلة.