د. محمد النغيمش
كثيراً ما يتساءل البعض، هل يحتاج القائد أن يكون قارئاً نهماً؟ ومنشأ هذا السؤال أن كثيراً من القياديين في هذا العالم لا يحبون القراءة، لكنهم يحققون نجاحات ملموسة مع فريق عمل متكامل. وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لا بد أن ندرك ما الذي تحدثه القراءة في عقولنا كبشر.
تشير الدراسات العلمية إلى أن القراءة توسع مدارك الفكر، وتمنح المرء استرخاءً ومتعة، فضلاً عن الإدراك الواسع لما يجري من حوله. وتبين أيضاً أن فعل القراءة يؤثر في شخصياتنا وأدمغتنا..
ففي دراسة لباحثين من جامعة إدنبرة وكلية كينجز لندن، نشرت عام 2014 في مجلة «جمعية تطور الطفل» البريطانية SRCDJ، تبين أنه في اختبارات أجريت على التوائم لمدة عشر سنوات لوحظ فيها أن الشقيق الذي تخطى شقيقه بكمية القراءة، قد تفوق بصورة ملحوظة في اختبارات الذكاء العقلي، وتفوق أيضاً في اختبارات الذكاء (غير اللفظية) كالمنطق والاستنتاج.
من هنا يمكن أن نفهم أسباب ميل القراء النهمين للموضوعية مقارنة بعامة البشر الذين تهيمن على بعضهم العاطفة.. فالمسؤول يحتاج إلى الموضوعية أكثر من العاطفة في قراراته، ومنها استخدام المنطق والاستنتاج.
ولذلك نجد أن كثيراً من اختبارات التأهيل القيادية التي تقدمها مؤسسات كبرى تقيس التفكير الموضوعي أو العقلاني لدى الصف الثاني للتأكد من مدى أهليته للمنصب الإداري أو القيادي الأول.
وربما يقول قائل إن ما تزخر به شاشة موقع يوتيوب أو التلفاز وغيره من فيديوهات فنية أو معلوماتية أو إدارية قد تغني متخذ القرار عن القراءة.. غير أن دراسة أخرى لا تشاطر هؤلاء الرأي، فالكتاب يصمد مجدداً في وجه الشاشة.. إذ كشف لنا باحثون عام 2001 أن منسوب المعرفة العامة يزيد بمقدار ما نقرأ.
وما يثير الانتباه في هذه الدراسة المنشورة في دورية «التوجيه المباشر» JDI هو أن من كان لديهم رصيد من المعرفة بسبب القراءة كان لديهم إدراك أعمق وأدق للعالم من حولهم مقارنة بأولئك الذين بنوا معرفتهم من مشاهدة التلفاز..
بل إن متابعة التلفاز كان لها تأثير عكسي مع تزايد ركام المعرفة، فلا تزيد كثرة متابعة الشاشة معارفنا مقارنة بما تفعله القراءة.
وعندما نتأمل فوائد القراءة، ونتدبر مهام متخذ القرار نجده يؤدي أموراً عديدة قبل أن يصل إلى القرار النهائي منها تجميع أكبر قدر من المعلومات، فكما نعرف فعالية اتخاذ القرارات تكمن في اتباع خطواتها الأساسية، وهي الاعتراف بوجود المشكلة وتحديدها ثم جمع المعلومات ثم تحديد البدائل وبعدها انتقاء أفضل بديل (القرار النهائي).
وتعد مرحلة تجميع المعلومات أهمها على الإطلاق لسبب بسيط وهو أن أحداً لن يستطيع أن يتأكد من عمق ما يتناهى إلى أسماعه من معلومات، أو يقع تحت يده من تقارير من دون قراءة متدبرة للأخبار والتعميمات والمحاضر والتوجيهات والتعليمات الداخلية وتوجهات السوق، فضلاً عن أفضل التطبيقات والممارسات.
فمهما أوتي المرء من متسع من الوقت، إلا أنه لا يستطيع أن يمضى عشرات الساعات في تقليب الفيديوهات التي تفيده.. وإن استطاع فكيف يمكن الرجوع إلى جزئية مهمة، بين حين وآخر.
ونقارن ذلك الأمر بالكتب والتقارير وسلاسل الإشارة إلى كل جزئية، فضلاً عن أن ما يكتب عادة يكون صاحبه مسؤولاً عنه، ويبذل جدية أكبر في التحقق منه مقارنة بالكلام الشفهي العابر والذي تخدمه الصورة أو بالأحرى تخدعنا اللقطات المصاحبة له (إن جاز التعبير).
كما أن متخذ القرار عندما يناقش فكرة معينة أو رأياً ما فإنه يحتاج أن يكون ملماً به من جميع النواحي حتى يستطيع استيعابه، وربما مقارعة الحجة بالحجة.
والنقاش الذي يخوض فيه المسؤولون عادة ما يتطلب قوة عقلية ومعلوماتية، وذهناً وقاداً يستطيع أن يتعمق في صلب ما تناهى إلى أسماعه من معلومات وما يقع تحت يده من دلائل حتى إذا ما اتخذ قراراً كان في الصميم.. وهذا ما يميز القارئ الحقيقي المسؤول عمن اعتاد مطالعة سطحية للنصوص أو الشاشات.