المحادثات فشلت… وخيار الحرب لم يفشل

3

 

 

في الشرق الأوسط، لا تُقاس النجاحات بنتائج المفاوضات، بل بما يتبقى بعدها من خيارات. وحين تُعلن جولات الحوار فشلها، لا يعني ذلك نهاية الطريق، بل بداية مسارٍ آخر أكثر صخبًا، وأقل قابليةً للضبط. هكذا تبدو الصورة اليوم: طاولات التفاوض أُطفئت أنوارها، لكن غرف العمليات لا تزال مضاءة.

المحادثات، التي رُوّج لها كفرصة أخيرة لتفادي الانفجار، لم تصمد أمام تعقيدات الواقع. لم يكن الخلاف تقنيًا حول بنود أو نسب تخصيب أو ترتيبات أمنية، بل كان صراعًا على شكل المنطقة نفسها: من يحكمها؟ ومن يرسم خطوط نفوذها؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم فيها؟

في هذا النوع من الصراعات، تفشل الدبلوماسية عندما تُحمّل أكثر مما تحتمل. فالمفاوضات لم تكن بين أطراف تبحث عن تسوية، بل بين مشاريع متناقضة. مشروع يرى أن الوقت يعمل لصالحه، وآخر يعتقد أن التأجيل يعني خسارة الفرصة الأخيرة للحسم. وبينهما، تتآكل المساحة الرمادية التي تعيش فيها الحلول الوسط.

لكن اللافت أن فشل المحادثات لم يُقابل بذعر دولي كما جرت العادة، بل بنوع من “الاستيعاب البارد”. وكأن العالم كان يتوقع هذه النتيجة، بل وربما أعدّ نفسه لها مسبقًا. هنا تحديدًا، يظهر أن خيار الحرب لم يفشل… لأنه ببساطة لم يكن مطروحًا للفشل أصلًا، بل كان الخطة البديلة الجاهزة.

الولايات المتحدة، التي قادت مسار التفاوض، لم تُخفِ يومًا أن الدبلوماسية بالنسبة لها أداة، وليست غاية. وعندما تتوقف هذه الأداة عن تحقيق النتائج، يتم استبدالها بأدوات أخرى أكثر خشونة. هذا لا يعني أن قرار الحرب قد اتُّخذ، لكنه يعني أن كلفته باتت محسوبة، وسيناريوهاته جاهزة، وأهدافه مرسومة.

أما في الطرف المقابل، فإيران – رغم الضغوط والخسائر – لا تتصرف كطرف مهزوم، بل كطرف يراهن على عامل الزمن. خطابها الداخلي والخارجي يُعيد إنتاج فكرة “الصمود” ، ويحوّل التراجع إلى رواية انتصار مؤجل. هذه المفارقة تفسر لماذا لا يُنظر إلى فشل المحادثات في طهران كنكسة، بل كمرحلة ضمن معركة أطول.

إقليميًا، تبدو دول المنطقة وكأنها تقف على حافة مشهد مألوف: تصعيد محسوب، ضربات محدودة، رسائل نارية دون انزلاق شامل. لكن هذا التوازن الهش يحمل في داخله خطورته، لأنه يقوم على فرضية أن جميع الأطراف تسيطر على إيقاع التصعيد، وهي فرضية سقطت مرارًا في تاريخ المنطقة.

المشكلة الحقيقية ليست في فشل المحادثات، بل في غياب البديل السياسي. فعندما تُغلق أبواب الحلول، لا يبقى سوى منطق القوة. ومع كل جولة تصعيد، تتقلص فرص العودة إلى الطاولة، لأن الوقائع على الأرض تُعاد صياغتها بالنار، لا بالكلمات.

وهنا، يصبح السؤال الأهم: هل الحرب خيار اضطراري، أم أنها أصبحت خيارًا مريحًا لبعض الأطراف؟

الإجابة قد تكون أكثر قسوة مما تبدو. فالحروب، في كثير من الأحيان، لا تبدأ لأنها الحل الأفضل، بل لأنها الحل الوحيد المتبقي بعد استنزاف كل شيء آخر… أو بعد اتخاذ قرار بأن لا شيء آخر يستحق المحاولة.

في النهاية، لم تفشل المحادثات لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها اصطدمت بإرادات لا تريد لها أن تنجح. أما الحرب، فلم تفشل بعد… لأنها لم تُختبر بالكامل. وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة معلّقة على حافة الاحتمال: لا سلام يقرض ولا حرب تُحسم… والشرق الاوسط أمام الشرارة التي قد تغيّر كل شيء.

التعليقات معطلة.