كان الإعلان في عام 2007 عن تحديد 2 نيسان/ أبريل من كل عام يوماً عالمياً لطيف التوحد احتفاءً أممياً بشريحة من أصحاب الهمم والقدرات، تحتاج إلى رعاية خاصة.
لم يأتِ هذا الإعلان تركيزاً على المصابين بطيف التوحد فحسب، إنما تسليطاً للضوء على الاستثمار في قدرات هؤلاء، والسعي إلى دمجهم في المجتمع، “وتنفيذاً لشعار “الانتقال من البقاء إلى الازدهار””، وفق ما تقول شيماء الهاشمي، رئيسة ومؤسسة مؤسسة “مميزون لذوي الهمم والقدرات” في العراق، لـ”النهار”، مؤكّدةً أنّها أوّل منظمة غير حكومية مجانية عراقية تعنى بالمصابين بطيف التوحد.
كان إطلاق هذه المؤسسة ردّة فعل شخصية من الهاشمي نفسها، إذ لها طفلان كفيفان ومصابان بطيف التوحّد. تروي: “تأخّرت في تشخيص حالتهما، وتأخرت في العثور على مكان أطمئن إلى وجودهما فيه؛ لذلك حرصت على أن يكون هذا المكان بعيداً كل البعد عن المعاناة التي عانيتها”.

نقص في الرعاية
هذا المركز هو الوحيد الموجود في بغداد، “ونحتاج إلى العشرات منه في المحافظات العراقية، فعدد الأطفال المصابين بالتوحّد كبير كي نستطيع الاهتمام بأكبر عدد منهم”، وفق ما تقول الهاشمي، شارحةً بأن مؤسستها تستقبل الأطفال وأهلهم، وتقيّم حالتهم، “فنعطيهم خطة تدريبية إذا لم نستطع أن نستقبلهم بسبب الطاقة الاستيعابية المحدودة”.
واضحٌ أن الأطفال المصابين بطيف التوحد لا يملكون مقاعد دراسية خاصة بهم في المدارس العامة، كما لم توفر الحكومة لهم مدارس خاصة، إذ يحتاجون إلى تعليم خاص بأساليب محددة ومدروسة، وهذا يعني حرمانهم من حقهم الطبيعي في التعليم، وتحويلهم إلى حبيسي منازلهم. يقول مجتبى سعد، والد الطفل حسن المصاب بطيف التوحد، لـ”النهار”: “بعد البحث المستمر، والمراكز العديدة، وبعد مراجعات عديدة، قدرت أن أسجّل ابني في المؤسسة، وطلبوا مني الكثير من الفحوص، حتى البصمة الغذائية”.

يشدّد الدكتور أحمد مبارك، وهو طبيب في المؤسسة ومتخصص في علم نفس تعديل السلوك، على أن “التشخيض هو أهم نقطة في اضطراب طيف التوحد”، قائلاً لـ”النهار”: “تأتينا حالات كثيرة مشخصة بأنها توحّد وهي بعيدة عن التوحد، وحالات توحّد أسيء تشخيصها”، مؤكداً أن التشخيص الصحيح يأتي من خلال تعاون فريق كامل، “فأنا اختصاصيّ سلوكي، ومعنا طبيب استشاريّ أطفال، واختصاصي في التربية الخاصة، واختصاصية في النطق، فيتكوّن رأيٌ من آراء أربعة اختصاصيين أو خمسة؛ وثمة حالات كثيرة نؤجل تشخيصها لأنه يحتاج إلى علامات لا نستطيع تحديدها في جلسة واحدة”، راداً العجز عن تحديد العدد الحقيقيّ للمصابين بطيف التوحّد في العراق إلى مسألة حُسن التشخيص نفسها.
مرض وراثي
يصنف المتخصصون طيف التوحد بأنه مرض وراثي، أي يمكن أن يولد طفل وهو مصاب به، وهذا يعني احتمال ظهوره في الأجنة خلال فترة الحمل. تبدأ أعراضه بالظهور بعد مرور تسعة أشهر من ولادة الطفل، ويسمى “طيف التوحد” للدلالة على مستوياته المختلفة. يصفه الدكتور عباس هندي نجم، الطبيب الاستشاري لأمراض الأطفال وحديثي الولادة في المؤسسة، بأنه مرض العصر، قائلاً لـ”النهار”: “إنه أكثر الأمراض السلوكية انتشاراً في الوقت الحالي، وأغلب النظريات والدراسات الحديثة تثبت أنه مرض جيني وراثي، أي يولد الطفل حاملاً جينة مرض طيف التوحد”.
بالنسبة إلى علاج هذه الحالة، يقول نجم: “القاعدة الثابتة في الأمراض السلوكية هي علاجها بالجلسات التدريبية في مراكز مؤهلة، وهذا تدريب سلوكي”، تماماً كجلسات البيانو الأسبوعية التي تتحول إلى جلسات علاجية وتطويرية لمهارات هؤلاء من خلال الترفيه.

في يومهم العالمي، يرفع المصابون بطيف التوحّد الصوت مطالبين بحقوقهم وبضرورة الإسراع في تأهيلهم، وهذا يضع الجهات العراقية الملزمة برعايتهم أمام تحدٍّ صعب؛ فأعداد المرضى تصاعدت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، من دون القدرة الفعلية على حصرها وإحصائها، ولا مركز حكومياً واحداً متخصص برعايتهم بعد.
العلم لم يتوصل بعد إلى علاج نهائي لطيف التوحد، وما هو متاح اليوم هو علاج سلوكي معرفيّ، يحتاج إلى وقت طويل لظهور نتائجه، مع تشديد المتخصصين النفسيين على أهمية تعاون الأهل لإنجاح مرحلة العلاج السلوكي، وتعاون الحكومة العراقية في إنشاء مراكز معنية برعاية المصابين بطيف التوحد في بغداد وباقي المحافظات العراقية، والمساهمة في التثقيف الاجتماعي، والتوقف عن إقصاء هؤلاء الأطفال اجتماعياً، مع الإشارة إلى عدم شمولهم بالحق في الميراث، إذ يعتبرون قانونياً غير أسوياء عقلياً، وهذا تهميش واضح إذ تجمع الدراسات على أن هذه الفئة تتميّز بذكاء حاد وبمهارات شخصية قد لا تتوافر في من يراهم المجتمع أصحاء وأسوياء.