الباحث والكاتب / حسن فليح
في واحدة من أكثر لحظات التاريخ العربي التباسا، يقف المشهد الإقليمي مقلوبا على رأسه.
عواصم عربية تخشى ضربة أمريكية لإيران… وتعمل سرا وعلنا على منعها.
المفارقة هنا ليست سياسية فقط، بل وجودية وأخلاقية.
فالدولة التي توسعت على حساب السيادة العربية، واخترقت القرار الوطني، ومولت الفوضى، وأسست لميليشيات عابرة للحدود، باتت اليوم “خطًا أحمر” يُدافع عنه باسم الاستقرار.
من عدو معلن إلى خطر “لا يجوز المساس به
لسنوات، قُدمت إيران كقوة “ممانعة” في الخطاب،
لكنها في الواقع كانت أكبر عامل اضطراب في الجغرافيا العربية الحديثة.
ومع ذلك، حين اقترب شبح الضربة، لم نسمع صراخا دفاعا عن بغداد أو دمشق أو بيروت أو صنعاء،
بل سمعنا همسا عربيا قلقا ،
اضربوا، ولكن ليس الآن… ليس هنا… ليس بهذه الطريقة.
ليس خوفا على إيران،
بل خوفا من انكشاف الفراغ العربي بعد أي زلزال كبير .
الخوف الحقيقي ، ما بعد إيران
العرب لا يتوسلون ترامب حبا بطهران،
بل رعبا مما قد يليها.
لأن سقوط الدور الإيراني، أو حتى كسره، يعني،
إعادة فتح ملفات النفوذ
سقوط وكلاء محليين
انكشاف أنظمة
وعودة سؤال الدولة والسيادة
وهذا سؤال مؤجل منذ عقود… لأنه مُكلف.
استقرار الوهم أم وهم الاستقرار؟
الأنظمة لا تخاف الحرب بقدر ما تخاف التحول.
وتخشى انهيار المعادلة القائمة، مهما كانت فاسدة، لأنها تعرفها وتتحكم بها.
أما المجهول… فهو أخطر.
ولهذا بدا المشهد كاريكاتوريا:
إيران تهدد
واشنطن تلوح
وإسرائيل تترقب
والعرب يطلبون “التهدئة”
كأن المنطقة تُدار بلا أصحابها.
الخلاصة التي لا يريد أحد قولها
ليست إيران هي المشكلة الوحيدة،
ولا الضربة هي الحل السحري.
لكن الأخطر من الحرب…
هو الخوف الدائم من التغيير.
وحين يصل العرب إلى لحظة يتوسلون فيها رئيسا أمريكيا
كي لا يضرب دولة توسعت في عواصمهم،
فإن السؤال الحقيقي لم يعد عن ترامب أو طهران،
بل عن من صادر القرار العربي… ومتى سيُستعاد؟
حين يخاف الضحية من سقوط جلاده،
فالمشكلة ليست في قوة الجلاد…
بل في هشاشة الضحية.
.

