باختصار: بين الديمقراطية والدكتاتورية

4

 
 
زهير ماجد
 
أشعر بالمرارة عندما أسمع نائب الرئيس الأميركي بنس وهو يتحدث عن الديمقراطية والديكتاتورية في فنزويلا، معتبرا أن مادورو رمزا للديكتاوترية وجوايدو للديمقراطية .. وأصغر الأطفال يعرف أن جوايدو مغتصب للسلطة، قام بتعيين نفسه رئيسا بالوكالة ثم رئيسا، في حين انتخب مادورو مرتين من الشعب.
مضحك ذاك التعريف الذي لا يليق بدولة عظمى .. لكنه على ما يبدو تاريخ من تزوير الحقائق في العالم .. إما أن يكون تابعا لأميركا أو يصبح عدوا، ممنوع الحوار، كما ممنوع إبداء الرأي، وهي أعلى مفاهيم الديمقراطية.
لا شيء يسقط سهوا من المسؤولين الأميركيين الذين بلغوا حد التجربة القصوى .. صاروا مراجع فيها .. ويا ويلنا إن كان الأميركي يتعلم في كل مرة، ثم يا ويلنا إن هو احترف التعلم. عندما يتدخل الأميركي في سوريا فهو لا يطلب إذنا من أحد، وعندما احتل العراق قلب المفاهيم كلها، ثم هو في القضية الفلسطينية أستاذ في العمل على تغيير الحقائق.
نتوق إلى عالم تتزعمه دولة كبرى وبيدها صناعة الحقائق كما يجب أن تكون .. أكثر دول العالم يرتعد مسؤولوها تحسبا من أي خطأ قد يرتكب بحق الولايات المتحدة أو أحد مسؤوليها، بل من رضاها في كل الأحوال. صناعة الاحترام لا تتحقق بالقوة، أو ممارسة العين الحمراء، هي تأتي بالثقة وبالحوار وبالعلاقة المتكافئة .. ولا أعتقد أن أحدا اعتدى على دولة بحجم الولايات المتحدة أو فكر ولو لحظة بهذا الأمر .. كان الشعب الفنزويلي هادئا، فإذا بمسؤول منه يقفز بقوة الدفع الأميركي ليعلن سلطته التي لم تمنح إلا منها، وهو غش مورس مرات حلال رحلة أميركا مع العالم وتحديدا إثر الحرب العالمية الثانية.
نتوق إلى عالم ترعاه الدولة العظمى بضمير وإنسانية .. ربما هذا الكلام بات لا قيمة له .. مجرد أمنية ليس لها وجود ولن يكون .. في عصر الامبراطوريات الكبرى تختلط المفاهيم ويتقدم ما هو أعلى من المصالح كونها تعتمد على قوة البأس والسيطرة، وكل ما هو ضعيف عليه أن ينحني.
من هنا نفهم لماذا الثورات في العصر الروماني الامبراطوري الذي حكم بقوة القوة وليس بالمسامحة وبالحوار، بالبطش والإرهاب وليس بالأنسنة، نفهم الآن قصة زنوبيا التي ثارت ضد روما، كما نفهم هنيبعل الذي أخذ جيوشه إلى قلب روما ليقاتلها، ونفهم الثائر سبارتاكوس وغيرهم .. هو هكذا تاريخ الأقوياء والضعفاء، فكيف للعالم أن يشفى من صور الماضي التي تتجدد على يد امبراطوريات حديثة تملك من القوة ما يشعرنا بالهلع الدائم، خصوصا بعد قرار الرئيس ترامب من الخروج من معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وبعيدة المدى، بقرار همايوني ليس سوى تدبير عظمة ضد فلسفة التاريخ التي حصلت ذات مرة بين الكبيرين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة.
لن يكون جوايدو أبدا رمزا للديمقراطية وهو مغتصب للسلطة وتم تعيينه من الخارج .. إشاعة فكرة الرئيس الشرعي لا يكون بالاستيلاء على السلطة والدولة وتهديد المجتمع الفنزويلي الذي يعيش اليوم قمة استفزازه وتأهبه لمعركة مصيره، وقد يكون ذاهبا إليها إذا ما وقع خطأ ما في الحسابات الأميركية أو في تصرفها. لقد كان الفنزويليون على محاولات دؤوبة من أجل تصحيح مسار واقعهم، مثل كل الأمم والدول، فإذا بالانقلاب الجهنمي يتخطى هذا الواقع، ويؤدي إلى قسمة البلاد طولا وعرضا وشعبا وحاضرا ومستقبلا.

التعليقات معطلة.