الحكومة تتجاهل الخطر الروسي رغم تحذيرات القادة العسكريين من ضعف الجاهزية واستعداد موسكو لجولة صراع جديدة
روبرت فوكس
تفتقر بريطانيا إلى خطة دفاع وطنية مناسبة ومتوافقة مع قواعد حلف شمال الأطلسي (وزارة الدفاع البريطانية)
ملخص
تقرير بريطاني يكشف عن ضعف جاهزية المملكة المتحدة للدفاع عن نفسها وحلفائها في ظل تصاعد التهديدات الروسية، وسط نقص في المعدات والأفراد وتأخر خطط التحديث، مما يثير مخاوف من أن تصبح بريطانيا هدفاً محتملاً إذا انهارت أوكرانيا أو تجددت المواجهات في أوروبا.
يوم الخميس الماضي، وجه وزير الدفاع جون هيلي رسالة تحذير مباشرة إلى فلاديمير بوتين وجيشه، عقب تقارير عن نشاط عدائي قامت به سفينة المراقبة الروسية “يانتار” ضد طائرة تابعة لسلاح الجو البريطاني كانت تتعقبها شمال اسكتلندا.
وقال هيلي إن طاقم “يانتار” أطلق أشعة ليزر باتجاه طياري طائرة الدورية البحرية من طراز “بي-8” التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني. وأضاف محذراً أن “هذا السلوك الروسي بالغ الخطورة. نحن نراكم ونعرف ما تفعلونه. وإذا تحركت ’يانتار‘ جنوباً هذا الأسبوع، فنحن مستعدون.”
ولكن مستعدون لماذا تحديداً؟ فأنشطة “يانتار” حول الجزر البريطانية تخضع للرصد منذ ما يقارب ثلاثة أعوام. وفي الصيف قبل الماضي رصد خفر السواحل الإيرلندي السفينة وهي تتجول قبالة سواحل مدينة ليمريك لشهر تقريباً، على مقربة من أحد المراكز الرئيسة الخاصة بكابلات الاتصالات الممتدة تحت سطح المحيط الأطلسي. وتخضع السفينة لسلطة وكالة المديرية الروسية الرئيسة لبحوث أعماق البحار (جي يو جي آي)، وهي قيادة بحرية منفصلة، تتولى حالياً مسؤولية مراقبة المحيطات والتخريب. وتشمل معدات الوكالة غواصة رئيسة، تدعى “بيلغورود”، يمكنها إطلاق مسيّرات هجومية تعمل تحت الماء قادرة على قطع الكابلات وأنابيب النفط والغاز الممتدة تحت سطح البحر.
وقبل ساعات قليلة من تحذير هيلي لبوتين، خلصت لجنة الدفاع النافذة في مجلس العموم ضمن تقرير، وضعته بعد تحقيق مطول، إلى أن المملكة المتحدة غير قادرة على الدفاع عن نفسها وأراضيها وحلفائها، ولا سيما أراضيها الأساسية. ويورد التقرير الذي يحمل عنوان “تساؤلات حول القدرة الأساسية للمملكة المتحدة على الدفاع عن نفسها”، ما يلي بكل صراحة: “خلاصة القول هي أننا نشكك في قدرة وزارة الدفاع على حماية المملكة المتحدة وأقاليمها الخارجية من الأزمات أو النزاعات”.
اقرأ المزيد
تحديات كبيرة في مشاركة الجيش البريطاني بأوكرانيا
كيف أصبح الجيش البريطاني فارغاً؟
حرب أوكرانيا تختبر قدرات الجيش البريطاني
أي مستقبل للعلاقات الروسية – الأوروبية التي تزداد تدهورا؟
ولا تفي المملكة المتحدة بواجبها الأساسي المنصوص عليه في المادة الثالثة من ميثاق تأسيس حلف شمال الأطلسي الذي يلزم كل بلد أن يكون قادراً على الدفاع عن نفسه، بما يمكّنه من مد يد المساعدة إلى حلفائه. أما المملكة المتحدة، في حال شبه فريدة، فلا تزال تفتقر إلى خطة دفاع وطنية مناسبة ومتوافقة مع قواعد حلف شمال الأطلسي، على رغم أنها عضو مؤسس فيه.
ومن بين نقاط الضعف الرئيسة التي أبرزها تقرير مجلس العموم عدم كفاية الدفاعات ضد الصواريخ والمسيّرات، ولا سيما في ما يتعلق بمنشآت رئيسة مثل مطار هيثرو وقلب لندن التجاري وموانئ الحاويات الواقعة على الساحل الشرقي للمملكة المتحدة.
فتخيّلوا ما يلي: في صباح رطب من نوفمبر (تشرين الثاني)، يحذر رادار الدفاع الجوي الهولندي من أن سرباً من المسيّرات العسكرية أو صواريخ “كروز” التي تعمل دون سرعة الصوت يتجه نحو مصب نهر التيمز ووسط لندن. ويقول المحلل البارز والضابط الاحتياطي السابق فرانسيس توسا: “ليس لدينا سوى عدد قليل من بطاريات صواريخ الدفاع الجوي من طراز ’سابر‘ Sabre، موزعة بين جزر فوكلاند وبولندا وسهل سالزبوري المخصص للتدريب. ستمر دقائق عدة قبل إقلاع طائرات ’تايفون‘ السريعة من قاعدة كونينغسبي. بحلول ذلك الوقت، قد تكون المسيّرات المسلحة وصلت إلى محطة واترلو في ساعة الذروة”.
وتشكل الأسلحة الجديدة في حرب أوكرانيا – صواريخ “إسكندر” و”كينجال”، والمسيّرات الصينية – تهديدات جديدة. فالدفاعات الجوية لإنجلترا ليست أفضل بكثير مما كانت عليه خلال أولمبياد 2012 في لندن والتي كانت ضعيفة أساساً. وضربة واحدة قد تعطل البنية التحتية في مقاطعات الشرق وشبكة الكهرباء وموانئ الحاويات في تيلبري أو فيلكستو والمراكز المالية في لندن ومحطات القطارات الرئيسة مثل واترلو أو بادينغتون، وحتى مطار هيثرو.
وفي يونيو (حزيران) الماضي نشرت الحكومة مراجعتها للدفاع الاستراتيجي واستراتيجيتها للأمن القومي. ووعدت بزيادة الإنفاق على الدفاع – إلى 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، وربما 3.5 في المئة بحلول عام 2030 – وبحلول ذلك الوقت ستكون حكومة جديدة تولت الحكم وباتت تواجه مجموعة جديدة من المشكلات.
وتعاني الخدمات نقصاً في التمويل وهي غير مستعدة لمواجهة الأزمة الأمنية المتفاقمة في أنحاء أوروبا كلها. ويفتقر الجيش إلى ما يكفي من الذخيرة والمعدات والأفراد. فلديه فقط 14 مدفع “هاوتزر” متوسطاً من عيار 155 مليمتراً، “وتفوق المدافع الاحتفالية المدافع المخصصة للعمليات عدداً”، وفق أحد الجنرالات العاملين. ولا تزال حاملتا الطائرات الكبيرتان لا تعملان على النحو المنشود. إضافة إلى ذلك، راهن الجيش كلياً على مركبة الاستطلاع “أياكس” التي بلغت كلفتها نحو 7 مليارات جنيه (9.16 مليار دولار) مقابل 590 عربة، ولم تدخل الخدمة الكاملة إلا الآن – بعد تأخر دام 10 أعوام.
وهذا الأسبوع أصدر العميد بن باري، المحلل المخضرم في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، حكماً قاسياً ضمن كتابه “صعود الجيش البريطاني وسقوطه 1970-2025″The Rise and Fall of the British Army 1970 -2025. ويقول: “الجيش البريطاني بالكاد يستطيع اليوم تشكيل لواء مدرع واحد لمهمات ’الناتو‘ في أوروبا الشرقية، بينما يعد البولنديون ست فرق مدرعة، وألمانيا قوات مماثلة”.
الجنرال روبرت سميث قائد بريطاني سابق في حلف شمال الأطلسي كان نائب القائد الأعلى للحلفاء في أزمة كوسوفو عام 1999. ويرى أن الحرب في أوكرانيا تشكل خطراً خاصاً على الدول الأعضاء في الحلف ككل، بما في ذلك المملكة المتحدة. ويلاحظ أن “روسيا تنتهج نوعاً من أنواع الحرب ’المبهمة‘ على نطاق أوسع في أنحاء المنطقة كلها، وخارج أوكرانيا”.
ويرجح أن يؤدي أي وقف هش لإطلاق النار أو هدنة خلال الأشهر المقبلة إلى مستقبل محفوف بالأخطار. ويضيف: “لدينا دولة ضخمة مسلحة جداً داخل أوكرانيا، تملك رؤية مستقلة تماماً. ومن المرجح أن تستغل روسيا فترة التوقف لإعادة تنظيم صفوفها والتسلح من جديد”. أما خط المواجهة، فسيكون “أطول وأكثر تقلباً مما كان عليه في أي وقت خلال المواجهة بين ’الناتو‘ وحلف وارسو في الحرب الباردة”.
وسيشكل حفظ السلام ومراقبة أية هدنة والإشراف على نزع السلاح، كابوساً. وأوكرانيا اليوم أفضل تسليحاً كمّاً ونوعاً من معظم قوات حلف شمال الأطلسي، بما في ذلك قوات المملكة المتحدة. وتمتلك روسيا حالياً ما يقارب مليوني جندي نظامي واحتياط، فضلاً عن كثرٍ غيرهم من ضمن الميليشيات المحلية والدرك وشرطة حفظ الأمن. والاقتصاد الذي يعترف الجميع بأنه متداعٍ بصورة واضحة، موجه الآن نحو المجهود الحربي – ولا يبدو أن بوتين ينوي قلب هذا الاتجاه.
ويعتقد عدد كبير من مؤلفي المراجعة الدفاعية البريطانية أن أوروبا مهددة الآن بمزيد من الأعمال العدائية الروسية. وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس الأسبوع الماضي قولاً يخلو من المبالغة: “لم نعُد في حال سلام”. ومع ذلك، ثمة أشخاص في قلب مقر رئاسة الحكومة ومكتب شؤون مجلس الوزراء البريطانيين لا يقبلون هذا الأمر. وقال مسؤول رفيع المستوى أخيراً: “نحن لسنا في حال حرب مع روسيا”، فبدا متفائلاً أكثر مما ينبغي له.
وأثار قوله هذا قلق لجنة الدفاع في مجلس العموم ورئيسها العمالي، النائب تان ديسي. ويعتقد الأخير بأن الحكومة تقدم أقل مما ينبغي، ومتأخرة أكثر مما يجب، ولا تتعامل بصدق مع الجمهور.
وأوضح أن “المطلوب بذل جهد منسق للتواصل مع الجمهور في شأن مستوى التهديد الذي نواجهه وما يمكن توقعه في حال نشوب نزاع”.

