في السياسة الدولية، لا تبقى التحالفات على حالها، بل تتغير بتغير المصالح والظروف والقيادات. وبين لحظتين مفصليتين—غزو العراق قبل أكثر من عقدين، والتوتر الراهن حول الحرب على إيران—تبدو بريطانيا وكأنها انتقلت من موقع الشريك المطلق في القرار الأمريكي، إلى حليف أكثر تحفظًا وحذرًا.
في عام 2003، شكّل التفاهم بين توني بلير وجورج بوش الابن نموذجًا نادرًا من الانسجام السياسي والعسكري. لم يكن الأمر مجرد تحالف تقليدي، بل شراكة اندماجية في الرؤية والقرار. لندن لم تكتفِ بدعم واشنطن، بل تبنّت خطابها بالكامل، وساهمت في تسويق الحرب سياسيًا وإعلاميًا، رغم الجدل الداخلي الكبير والرفض الشعبي الواسع.
ذلك التوافق لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج سياق دولي مختلف. العالم كان يعيش تحت تأثير صدمة هجمات 11 سبتمبر، والولايات المتحدة كانت تقود موجة “الحرب على الإرهاب” بثقة عالية، فيما رأت بريطانيا أن الحفاظ على “العلاقة الخاصة” مع واشنطن يمر عبر الانخراط الكامل في مشروعها العسكري.
لكن الصورة اليوم تبدو مختلفة تمامًا.
مع تصاعد التوتر حول إيران، يظهر تباعد واضح بين مقاربة كير ستارمر ونهج دونالد ترامب. هذا التباعد لا يعني قطيعة، لكنه يعكس تحوّلًا عميقًا في طريقة لندن في إدارة علاقتها مع واشنطن.
بريطانيا اليوم أقل اندفاعًا نحو الحروب المفتوحة، وأكثر حساسية تجاه كلفتها السياسية والاقتصادية. تجربة العراق تركت أثرًا عميقًا في الوعي السياسي البريطاني، وأعادت تعريف حدود المشاركة في المغامرات العسكرية. لم يعد من السهل على أي حكومة بريطانية أن تمنح غطاءً كاملاً لعملية عسكرية واسعة دون حسابات دقيقة ومعقدة.
في المقابل، تبدو مقاربة واشنطن ، خصوصًا في ظل خطاب أكثر حدة ،أقرب إلى استخدام القوة كأداة ضغط قصوى لإعادة تشكيل التوازنات. هنا يظهر الاختلاف:
الولايات المتحدة تنظر إلى الصراع مع إيران كجزء من إعادة رسم النفوذ الإقليمي، بينما تميل بريطانيا إلى احتواء التصعيد وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون عواقبها غير محسوبة.
العامل الأوروبي يلعب دورًا أيضًا. بريطانيا، رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، لا تستطيع تجاهل المزاج العام في القارة، الذي يميل إلى الحذر من التصعيد العسكري، ويفضّل الحلول الدبلوماسية، خاصة في ملف معقد مثل إيران.
إلى جانب ذلك، هناك إدراك بريطاني متزايد بأن الانخراط غير المشروط في السياسات الأمريكية لم يعد يحقق دائمًا المكاسب ذاتها. العالم تغيّر، ومراكز القوة تعددت، وكلفة الاصطفاف الكامل أصبحت أعلى من السابق.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تصوير هذا التباعد كخلاف جذري. فالعلاقة بين لندن وواشنطن لا تزال عميقة ومتشابكة على مستويات الأمن والاستخبارات والاقتصاد. لكنها لم تعد علاقة “اتباع”، بل أقرب إلى شراكة يعاد التفاوض على حدودها باستمرار.
الخلاصة أن بريطانيا اليوم تقف في منطقة وسطى:
لا تريد كسر تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لم تعد مستعدة لتكرار تجربة الانخراط الكامل كما حدث في العراق.
بين بلير وستارمر، وبين بوش وترامب، تغيرت المعادلات.
لم يعد السؤال: هل تقف بريطانيا مع أمريكا؟
بل: إلى أي حد، وبأي شروط، وفي أي معركة؟ لندن لم تعد تدفع ثمن حروب لا تكتب شروطها.

