بينانس تحت المجهر.. كيف تسربت 1.7 مليار دولار إلى إيران؟

7







24 ـ شيماء بهلول

كشفت وثائق ومصادر مطلعة أن مسؤولين في منصة تداول العملات المشفرة “بينانس” أوقفوا تحقيقاً داخلياً أجراه موظفون، حول تحويل نحو مليار دولار عبر المنصة إلى شبكة يُشتبه في تمويلها جماعات مدعومة من إيران، وذلك بعد أسابيع من منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عفواً لمؤسسها تشانغ بينغ تشاو في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وبحسب الوثائق، حدد التحقيق حساب تداول يعود لشريك أعمال مقرّب من “بينانس” كقناة رئيسية لنقل العملات المشفرة إلى الشبكة المرتبطة بإيران.

ولاحقاً قامت الشركة بتعليق عمل المحققين الذين كشفوا التحويلات ثم فصلهم، فيما ظلت الشبكة نشطة.

وقالت متحدثة باسم بينانس، إن المحققين لم يُفصلوا بسبب إثارة مخاوف تتعلق بالامتثال، بل غادروا “لأسباب فردية”، مؤكدة أن التحقيق استمر وأدى إلى إزالة الكيانات المحددة من منصة التداول.

عفو أمريكي
وحسب ما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”، تعيد الواقعة إلى الواجهة المخاوف التي أثارت تدقيقاً أمريكياً في 2023، حين توصل الادعاء إلى اتفاق إقرار بالذنب مع أكبر منصة تداول عملات مشفرة في العالم، وحُكم على تشاو بالسجن 4 أشهر، لعدم الحفاظ على برنامج فعال لمكافحة غسل الأموال.

وأقرت بينانس حينها بانتهاك قوانين العقوبات ومكافحة غسل الأموال، ودفع غرامة قياسية بلغت 4.3 مليارات دولار، مع التعهد بإصلاحات تحت إشراف أمريكي، وتوسيع فرق التحقيق لمنع الأموال غير المشروعة، ما حدَّ عملياً من وصولها إلى السوق الأمريكية رغم استمرار نشاطها عالمياً.

وبعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، ضغطت بينانس من أجل إصدار عفو عن تشاو، وسعت لإزالة المراقبين الأمريكيين الذين عُينوا بموجب اتفاق التسوية.

كما قدمت دعماً أساسياً لمشروع العملات المشفرة التابع لعائلة ترامب “وورلد ليبرتي فايننشال”، عبر مساندة عملتها المستقرة التي تجاوزت قيمتها السوقية 5 مليارات دولار.

وذكرت الوثائق ومسؤولون أجانب في إنفاذ القانون، أن الممارسات التي أدت سابقاً إلى خرق قوانين العقوبات ومكافحة غسل الأموال ما زالت مستمرة، مشيرين إلى أن تعاون بينانس مع طلبات الحصول على معلومات مالية حول مستخدميها، الذين يُقدر عددهم بمئات الملايين، تراجع خلال العام الماضي، مثل رفض تقديم بيانات العملاء دون أمر قضائي، أو الإصرار على قنوات رسمية تستغرق أشهراً.

تحويلات بمليارات الدولارات
وأظهرت تقارير داخلية لفريق التحقيق في الجرائم المالية لدى بينانس، أن حسابات مسجلة لعملاء صينيين ارتبطت بمحافظ رقمية قالت السلطات الأمريكية والإسرائيلية إنها استُخدمت لتمويل وكلاء إيران.

وبلغ إجمالي التدفقات من تلك الحسابات نحو 1.7 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025، شملت تمويلاً لجماعات مدعومة من إيران، بينها ميليشيا الحوثي في اليمن.

وأشارت الوثائق إلى أن أكثر من مليار دولار من هذا المبلغ، جاء من حساب شركة مدفوعات مقرها هونغ كونغ تُدعى “بليست تراست”، وهي شريك أعمال مقرّب.

وقدم المحققون نتائجهم إلى قيادة بينانس، بمن فيهم الرئيس التنفيذي ريتشارد تنغ ومدير الامتثال نوح بيرلمان في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قبل أن يتم تعليقهم ثم فصلهم لاحقاً.

وتزايد اعتماد إيران على العملات المشفرة للالتفاف على العقوبات وتمويل أنشطتها، بينما بدأت وزارة الخزانة الأمريكية مؤخراً استهداف شبكات إيرانية تستخدم العملات الرقمية في تمويل عمليات إلكترونية غير مشروعة.

شبكة مرتبطة بالحرس الثوري
وأظهرت التحقيقات الداخلية أن شركة “هيكسا ويل تريدينغ”، المسجلة في هونغ كونغ عام 2024، نقلت نحو 500 مليون دولار من عملة “تيذر” خلال أشهر إلى مجموعة محافظ رقمية، أطلق عليها المحققون اسم “الكيان أ”، قالوا إنها مرتبطة بشبكة إيرانية.

وقال مسؤولون في إنفاذ القانون إن الشبكة جزء من ممر مصرفي سري يديره الحرس الثوري الإيراني بين هونغ كونغ وطهران، يتيح لشركات صينية دفع ثمن النفط الإيراني بعيداً عن الأنظمة الرسمية. ويُصنف الحرس الثوري منظمة إرهابية لدى الولايات المتحدة.

وبينما أزالت بينانس شركة هيكسا كعميل وأبلغت وزارة العدل وفق التزاماتها، واصل المحققون تتبع الأموال المتجهة إلى الشبكة، ليكتشفوا حساباً آخر يحمل تصنيفاً “داخلياً” مع قيود وصول مشددة.

وتبيّن لاحقاً أن الحساب يعود إلى شركة “بليست تراست”، التي تساعد العملاء على تحويل العملات التقليدية إلى عملات مشفرة والعكس.

ووفق الوثائق، حوّلت الشركة أكثر من مليار دولار من عملة تيذر إلى شبكة “الكيان أ” بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 وأغسطس (آب) 2025، مباشرة أو عبر حسابات أخرى في بينانس، فيما أطلقت التحقيقات على هذه الحسابات اسم “الارتباط الصيني”.

حسابات مشبوهة
وفي العام الماضي، كشف محققو بينانس عن نحو ألفي حساب تم الدخول إليها من داخل إيران باستخدام برامج لإخفاء الموقع الجغرافي، وأوصوا بطلب معلومات إضافية من المستخدمين، إلا أن الوثائق تشير إلى أن الرئيس التنفيذي رفض الخطة، وهو ما نفته الشركة.

كما قالت الوثائق إن إدارة بينانس لم تتخذ إجراء، بعد أن توصل فريق الاستخبارات إلى أن بحارة في “أسطول الظل” الروسي، المستخدم لنقل شحنات خاضعة للعقوبات بينها نفط من روسيا وإيران، كانوا يتقاضون رواتبهم عبر حسابات على المنصة.

وأكدت بينانس التزامها بالمتطلبات القانونية وواجبات الإبلاغ، وقالت إن التحقيق لم يثبت وجود معاملات مباشرة بين مستخدميها وكيانات خاضعة للعقوبات، بل انتقال الأموال عبر عدة مراحل.

وأضافت أن الشركة تتعاون مع جهات إنفاذ القانون والهيئات التنظيمية.

وقف التحقيق
وكشفت الصحيفة أنه في 24 سبتمبر (أيلول) 2025، تواصل أحد المحققين مع “بليست تراست” للاستفسار عن علاقتها بمحافظ رقمية ترسل أموالاً إلى الشبكة الإيرانية.

وأجابت الشركة بأن الأموال جاءت من عملاء يعملون في معالجة البيتومين وقطاع البناء، وهما قطاعان قالت الوثائق إن بينانس تعلم مشاركتهما في تجارة النفط غير المشروعة بين الصين وإيران.

ووصلت نتائج التحقيق إلى كبار مسؤولي الشركة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وفي 13 نوفمبر (تشرين الثاني)، علّقت بينانس عمل المحقق الرئيسي في القضية ومسؤول آخر عن تحقيقات العقوبات وتمويل الإرهاب، ثم فصلتهما خلال الأسابيع التالية.

كما جرى لاحقاً تعليق أعضاء آخرين في الفريق، بعد تأكيدهم نيتهم مواصلة التحقيق، قبل أن يُفصلوا أيضاً بعد أيام.

التعليقات معطلة.