تحليل: “أم القنابل” لا تصلح لتغيير النظام في إيران

1


24 ـ طارق العليان

في خضم التصعيد المتكرر في الخطاب الأمريكي تجاه إيران، تتجدد الأسئلة القديمة حول جدوى القوة العسكرية في فرض التحولات السياسية. فبين التهديد بالقصف، والدعوة إلى تغيير النظام، يبرز رأي مخالف يؤكد أن الديمقراطية لا تولد من فوهات القنابل، بل من داخل المجتمعات نفسها.

هذا ما يطرحه الكاتب والمحلل السياسي البريطاني سيمون تيسدال، في تحليل بموقع “غارديان” البريطانية، يذهب فيه إلى أن إيران لا يمكن قصفها حتى تصبح ديمقراطية، لكنها قد تُساعد، بوسائل أخرى، على أن تجد طريقها نحو ذلك.

هوس الضربة الكبرى
قال الكاتب إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ ولايته الأولى، أظهر ميلاً واضحاً لاستخدام القوة العسكرية بوصفها أداة استعراض سياسي. واستشهد الكاتب بالضربة التي أمر بها ترامب عام 2017 ضد مجمع تابع لتنظيم داعش الإرهابي في إقليم ننغرهار الأفغاني، مستخدماً “أم القنابل” (MOAB)، وهي أقوى سلاح تقليدي في الترسانة الأمريكية.

5 آلاف قتيل على الأقل..إيران تعلن حصيلة قمع الاحتجاجات – موقع 24
أكد مسؤول إيراني، اليوم الأحد، تحقق السلطات تحققت من مقتل ما لا يقل عن 5 آلاف مشارك في الاحتجاجات التي شهدتها إيران، بينهم نحو 500 عنصر من قوات الأمن، محمّلاً من وصفهم بـ”الإرهابيين ومثيري الشغب المسلحين” مسؤولية مقتل “إيرانيين أبرياء”.

وأضاف أن الضربة، رغم ضخامتها، لم تُحدث أثراً استراتيجياً يُذكر، إذ فشلت في القضاء على التنظيم، ولم تغيّر مسار الحرب في أفغانستان، لكنها لبّت حاجة سياسية داخلية لدى رئيس أراد الظهور بمظهر القائد الحازم.

إيران في مرمى التهديد
وتابع الكاتب أن تهديدات ترامب الأخيرة بقصف إيران تعكس الذهنية نفسها، مؤكداً أنه من السذاجة الاعتقاد بأن هذه التهديدات نابعة من حرص حقيقي على حياة المتظاهرين الإيرانيين، في وقت تُقمع فيه احتجاجات داخل الولايات المتحدة نفسها بأساليب قاسية.

وأوضح أن ترامب لا يبدي اهتماماً فعلياً بالديمقراطية، لا في بلاده ولا خارجها، بل يرى في إيران فرصة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية على دولة متمردة تاريخياً، غنية بالطاقة، فشل الرؤساء الأمريكيون السابقون في إخضاعها أو استيعابها.

وأشار الكاتب إلى أن ترامب لا يسعى إلى تسوية سياسية مع النظام الإيراني، بل إلى استسلام كامل، وتغيير للنظام وفق شروطه الخاصة، لكنه في الوقت نفسه يفتقر إلى الصبر والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.

وأضاف أن النقاشات التي دارت داخل البيت الأبيض حول خيارات عسكرية ضد إيران كشفت أن ضرب المنشآت النووية أو قواعد الحرس الثوري لن يحقق الانتصار السريع الذي يسعى إليه ترامب.

حتى الآن..إيران تنفي إصدار أحكام بالإعدام بسبب الاحتجاجات – موقع 24
قالت السلطة القضائية في إيران أنها لم تصدر حتى الآن أي أحكام بالإعدام بسبب الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت أخيراً، حسب هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية.

اغتيال القادة.. طريق مسدود
وتابع الكاتب أن خيار قطع الرأس، أي اغتيال القيادة العليا للنظام، ليس بديلاً مقنعاً. فرغم تصريح ترامب بإمكانية اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إلا أن ذلك، حسب الكاتب، لن يضمن التغيير، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية.

وأوضح أن النظام الإيراني يمتلك صفاً ثانياً من المرشحين المتشددين القادرين على خلافة المرشد، ما يعني أن إزالة شخص واحد لا تعني تفكيك البنية الأيديولوجية للنظام.

وأكد الكاتب أن النظام الديني الحاكم في إيران، منذ ثورة 1979، فقد شرعيته بالكامل بسبب الفساد وسوء الإدارة والقمع الدموي، وأن استمراره لم يعد قابلاً للدفاع عنه. لكنه شدد في المقابل على أن التغيير المفروض من الخارج ليس الطريق الصحيح لتحقيق الاستقرار أو الديمقراطية.

الضربة الأمريكية على إيران.. مشاورات حول التوقيت والعواقب – موقع 24
كشفت مصادر مطلعة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجّل تنفيذ هجوم عسكري ضد إيران مؤقتاً، بينما تستمر المشاورات الداخلية في البيت الأبيض، والخارجية مع الحلفاء حول توقيت الهجوم، وتداعياته على استقرار النظام.

وأضاف أن التدخل العسكري لن يؤدي إلا إلى تعميق معاناة الشعب الإيراني، داعياً إلى تفكيك النظام الثيوقراطي عبر وسائل سلمية، تشمل حل مراكز القوة مثل مجلس صيانة الدستور، والحرس الثوري، وأجهزة الأمن الداخلي، والاحتكارات الاقتصادية التابعة للدولة.

ما الذي يريده الإيرانيون؟
وأشار الكاتب إلى أن استطلاعات الرأي تُظهر أن غالبية الإيرانيين تؤيد دستوراً علمانياً، وانتخابات حرة ونزيهة، وإلغاء منصب المرشد الأعلى، إلى جانب ترسيخ حقوق الإنسان، ولا سيما حقوق النساء، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم السابقة والحالية أمام القضاء المحلي أو الدولي. وأوضح أن جوهر المطلوب هو هدم الثيوقراطية وبناء دولة قانون مدنية.

وقال إن بوسع الدول الغربية، إذا توفرت الإرادة السياسية، أن تزيد الضغط الاقتصادي والمالي على النظام من خلال العقوبات، وقطع العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق السفارات، وتجميد أي مفاوضات تمنح النظام شرعية دولية.

وأضاف أن أدوات أخرى غير عسكرية يمكن تفعيلها، مثل العمليات السيبرانية، وتعطيل البنى الأمنية والاقتصادية للنظام، وملاحقة شحنات النفط غير الشرعية، والضغط على حلفاء طهران، خصوصاً الصين وروسيا وكوريا الشمالية.

وشدد الكاتب على أن الدعم الحقيقي يجب أن يوجَّه إلى المجتمع المدني الإيراني، والإعلام المستقل، وقوى المعارضة الديمقراطية. ودعا شركات التكنولوجيا الغربية إلى توفير وسائل لتجاوز حجب الإنترنت، كما طالب بتوسيع أدوات القوة الناعمة، مثل البث الإعلامي باللغة الفارسية، بدلاً من تقليصها.

القنابل لا تصنع المستقبل
في ختام مقاله، خلص الكاتب إلى أن وعود ترامب للإيرانيين بالتغيير لا يمكن تحقيقها على فوهة بندقية، لأن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينبع من الداخل. لكنه أكد في الوقت ذاته أن على الولايات المتحدة والغرب التزاماً أخلاقياً بدعم هذا المسار بوسائل سلمية، مستدامة، وبعيدة عن الاستعراض السياسي.

وأكد أن إسقاط القنابل أمر سهل، أما بناء مستقبل آمن وعادل لأطفال إيران المنسيين بعد ثورة فاشلة، فهو التحدي الأصعب والأجدر بالمسؤولية.

التعليقات معطلة.